حين تتكلم الذاكرة..الحكمة الشعبية تعود لتوقع حضورها في الرباط

0

الانتفاضة/ بقلم: ذ.هشام الدكاني

في ركنٍ هادئ من أروقة المعرض الدولي للنشر والكتاب، لم يكن المشهد عاديا، ولا الحدث عابرا كما قد يبدو في ظاهره.. كان الأمر أشبه بموعد مؤجل بين الذاكرة وأبنائها، حيث ٱختار الكاتب حامد الزيدوحي أن يعيد للحكمة الشعبية صوتها، وأن يوقع، بمداد الوفاء، حضورها المتجدد في وجدان المغاربة.

 

لم يكن التوقيع مجرد طقس ثقافي، بل كان لحظة إنصات جماعي لذاكرة تتكلم بصيغة الأمثال، تلك الجمل المقتضبة التي ٱختزلت عبر قرون، تجارب الناس وأحلامهم وٱنكساراتهم الصغيرة.
بدا الزيدوحي في ذلك المساء كمن يستحضر أرواحا عابرة للزمن، فيلبسها ثوب الكلمة المكتوبة، ويمنحها فرصة جديدة لتروى وتفهم في سياق معاصر.
في زمن تتسارع فيه الخطى وتكاد المعاني تضيع بين ضجيج اليومي، يجيء هذا العمل ليذكر بأن الحكمة لا تقاس بطول العبارات، بل بعمق أثرها.


فالأمثال الشعبية، كما قدمها الكاتب، ليست مجرد أقوال محفوظة، بل هي خلاصة وعي جماعي، ومرآة دقيقة تعكس فلسفة العيش كما صاغها الإنسان المغربي ببساطته وذكائه الفطري.
وقد وجد الزوار في هذا الإصدار ما يشبه العودة إلى الذات، فمنهم من قرأ فيه ملامح طفولته، ومنهم من ٱستعاد أصوات الأجداد وهم يلقنون الحياة دروسها الأولى، ومنهم من ٱكتشف، لأول مرة، أن في الكلمات القليلة عوالم كاملة من المعاني…

هكذا تحوّل اللقاء إلى فضاء مشترك بين أجيال مختلفة، يجمعها الحنين تارة، ويشدها الفضول تارة أخرى.
ومن بين ما تردد على الألسن في تلك الأمسية، عبارات ما تزال تنبض بحيويتها:
«اللي فاتك بليلة فاتك بحيلة»، و«دير النية وبات مع الحية»، و«الصبر مفتاح الفرج»…
كلمات تقف شامخة في وجه النسيان، وتثبت أن الحكمة الحقيقية لا يطالها تقادم الزمن.


إن ما ميز هذا الحدث، إلى جانب رمزيته الثقافية، هو ذلك الحضور الإنساني الدافئ، حيث لم تعد المسافة قائمة بين الكاتب والقارئ، بل تلاشت في حميمية اللحظة، ليصبح الجميع شركاء في ٱستعادة جزء من الذاكرة الجماعية.

وهكذا، تواصل الرباط ترسيخ صورتها كحاضنة للثقافة، وفضاء يحتفي بالكلمة ويصون جذورها.
وبين صفحات الكتب وأصداء الأمثال، تظل الحكمة الشعبية شاهدة على أن ما يقال بصدق… يبقى، وأن ما يكتب بروح الذاكرة… لا يندثر.
في ٱنتظار الجزء الثاني من الكتاب، والسفر إلى عالم الأمثال الشعبية، مع ربان السفينة وقائدها المخضر حامد الزيدوحي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.