حين يتحول عيد العمال إلى منصة مساءلة حادة لاختلالات العدالة الاجتماعية وحدود الكرامة في زمن الأزمات

الانتفاضة/ جميلة ناصف

في كل عام، ومع إطلالة فاتح ماي، لا يبدو المشهد مجرد احتفال عابر بذكرى عالمية، بل يتحول إلى لحظة كثيفة الدلالات تختزل تاريخا طويلا من التوتر بين العمل ورأس المال، بين مطلب الكرامة ومنطق الإنتاج، وبين ما تحقق من مكاسب وما ظل مؤجلا في دفاتر الانتظار الاجتماعي. فهذا اليوم الذي تتقاسمه شعوب العالم لم يعد مجرد طقس رمزي للاعتراف بجهود العمال، بل صار مرآة تعكس عمق الاختلالات البنيوية التي ما تزال تطبع سوق الشغل، ومنصة سنوية لإعادة طرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وحدود الحماية التي تضمن للإنسان العامل حياة كريمة داخل منظومة اقتصادية تتغير بوتيرة متسارعة.
منذ نشأته الأولى في سياق الاحتجاجات العمالية بالولايات المتحدة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ارتبط هذا الموعد بروح نضالية جماعية قادتها فئات واسعة من العمال في مواجهة أوضاع قاسية كانت تختزل الإنسان في مجرد أداة إنتاج. فقد شكلت انتفاضات شيكاغو، وما رافقها من تعبئة قوية في قطاعات الصناعة والنسيج والمناجم، لحظة مفصلية أعادت صياغة العلاقة بين العمل والحقوق، ورسخت تدريجيا مبدأ التوازن بين زمن الإنتاج وزمن الحياة. ومع مرور الوقت، لم تبق هذه الدينامية محصورة في جغرافيا محددة، بل امتدت إلى أوروبا وباقي القارات، لتتحول إلى موجة عالمية من الوعي العمالي الذي فرض على الدول تبني تشريعات أكثر إنصافا، وجعل من فاتح ماي تتويجا رمزيا لمسار طويل من التراكمات النضالية.
غير أن هذا المسار، رغم ما حققه من مكتسبات، لم يكن كافيا لوضع حد نهائي للاختلالات، إذ إن التحولات الاقتصادية العميقة التي عرفها العالم، خاصة في ظل العولمة وتحرير الأسواق، أعادت إنتاج أشكال جديدة من الهشاشة، من بينها العمل غير المستقر، وتراجع الحماية الاجتماعية، واتساع الفوارق بين الفئات. وفي هذا السياق، لم يعد يوم العمال العالمي مجرد مناسبة للاحتفال، بل تحول إلى لحظة لتقييم المسار واستشراف المستقبل، وفضاء مفتوح لمساءلة السياسات العمومية حول مدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وضمان الكرامة الإنسانية.
وفي المغرب، تكتسي هذه المناسبة حمولة خاصة تتجاوز بعدها الرمزي، بالنظر إلى تداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل من وضعية الشغيلة مؤشرا حقيقيا على درجة التوازن داخل النموذج التنموي. ففاتح ماي 2026 جاء في سياق يتسم بضغط معيشي متزايد، حيث لم يعد الغلاء مجرد معطى ظرفي، بل تحول إلى عامل بنيوي يؤثر بشكل مباشر على استقرار الأسر، ويعيد تشكيل أولوياتها اليومية. هذا التحول جعل من الخطاب النقابي أكثر حدة ووضوحا، حيث انتقل من منطق الترافع التقليدي إلى خطاب أقرب إلى المساءلة، يضع السياسات العمومية أمام اختبار النجاعة والإنصاف.
وقد عكست المسيرات التي شهدتها مدن عدة، وعلى رأسها مراكش، هذا التحول بجلاء، إذ لم تعد مجرد تجمعات رمزية، بل تحولت إلى فضاءات مفتوحة للتعبير عن تراكم الاحتقان الاجتماعي. ففي شوارع المدينة الحمراء، حيث تتقاطع الدينامية الاقتصادية مع هشاشة فئات واسعة من العاملين في قطاعات غير مستقرة كالسياحة والخدمات، بدا الحضور العمالي مكثفا ومشحونا بدلالات قوية. فالشعارات لم تكن فقط مطالب معزولة، بل كانت تعبيرا عن إحساس جماعي بتراجع القدرة على مواكبة تكاليف العيش، خاصة في ظل ارتفاع أسعار المواد الأساسية، والسكن، والنقل، والطاقة.
وفي عمق هذه المطالب، برزت مسألة الأجور كقضية مركزية، حيث لم يعد النقاش يدور فقط حول الزيادة، بل حول إعادة النظر في بنية الأجور نفسها، بما يضمن عدالة أكبر بين القطاعات، ويقلص الفوارق بين الحد الأدنى ومتطلبات العيش الكريم. كما طُرحت بقوة إشكالية العمل غير المهيكل، الذي يشغل نسبة مهمة من اليد العاملة دون أن يستفيد من أي حماية اجتماعية حقيقية، وهو ما يجعل شريحة واسعة من المغاربة خارج دائرة الاستفادة من الإصلاحات المعلنة.
إلى جانب ذلك، عادت قضية التقاعد إلى الواجهة بقوة، ليس فقط من زاوية تحسين المعاشات، بل أيضا من حيث استدامة الأنظمة نفسها، في ظل تخوفات متزايدة من اختلال توازنها المالي على المدى المتوسط. وهو ما جعل النقابات تدعو إلى مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي قبل الحسابات التقنية، بما يضمن كرامة المتقاعدين ويحافظ على حقوق الأجيال المقبلة.
وفي السياق نفسه، لم تغب المطالب المرتبطة بالعدالة الضريبية، التي أصبحت تشكل أحد أبرز عناوين النقاش العمومي، حيث ترى النقابات أن النظام الضريبي الحالي لا يعكس بشكل كاف مبدأ الإنصاف، خاصة في ما يتعلق بالضغط الكبير على الأجراء مقابل مساهمة محدودة لبعض الفئات الأكثر ثراء. ومن هنا، برزت الدعوة إلى إصلاح ضريبي عميق يعيد توزيع الأعباء بشكل أكثر توازنا، ويفتح المجال أمام تمويل سياسات اجتماعية أكثر فعالية.
كما شكلت مسألة حماية القدرة الشرائية محورا جامعا لكل هذه المطالب، إذ لم يعد بالإمكان فصل أي إصلاح اجتماعي عن تأثيره المباشر على مستوى معيشة المواطنين. وفي هذا الإطار، تصاعدت الدعوات إلى تدخل أكثر صرامة لضبط الأسواق، ومحاربة الاحتكار والمضاربات، وتعزيز آليات المراقبة، بما يضمن شفافية الأسعار وعدالتها. فالشغيلة لم تعد تطالب فقط بزيادة الدخل، بل أيضا بحماية هذا الدخل من التآكل المستمر بفعل تقلبات السوق.

ومن اللافت في فاتح ماي 2026 بالمغرب أيضا، هو هذا التداخل الواضح بين البعد الاجتماعي والبعد القيمي، حيث لم تقتصر المسيرات على المطالب المهنية، بل حملت رسائل تضامن إنساني، تجلت في الحضور القوي للأعلام الفلسطينية. هذا المعطى يعكس وعيا متقدما لدى الشغيلة، التي تربط بين نضالها من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبين القضايا العادلة على المستوى الدولي، في تعبير عن انخراطها في منظومة قيمية أوسع تتجاوز الحدود الوطنية.
وفي خلفية هذا المشهد، يبرز عنصر لا يقل أهمية، يتعلق بمدى فعالية الحوار الاجتماعي كآلية لتدبير هذا التوتر القائم. فبين التزامات حكومية تسعى إلى تقديم نفسها كجزء من الحل، ونقابات ترى أن وتيرة الإصلاح لا ترقى إلى حجم التحديات، تتشكل حالة من الترقب المشوب بالحذر، حيث لم يعد كافيا إعلان النوايا، بل أصبح المطلوب إجراءات ملموسة تعيد الثقة وتؤسس لتعاقد اجتماعي جديد أكثر وضوحا والتزاما.
إن ما يكشفه فاتح ماي 2026 في المغرب هو أن الشغيلة لم تعد مجرد فاعل اجتماعي يطالب بتحسين شروط العمل، بل أصبحت طرفا أساسيا في معادلة التوازن داخل المجتمع، يراقب، ويحتج، ويقترح، ويعيد طرح الأسئلة الكبرى حول طبيعة النموذج التنموي وحدود قدرته على تحقيق الإنصاف. وبينما تستمر البلاد في تنزيل أوراش كبرى، يظل الرهان الحقيقي هو جعل هذه الأوراش ذات أثر مباشر على حياة المواطنين، بما يضمن انتقالا فعليا من منطق الوعود إلى منطق النتائج.
يبدو أن فاتح ماي لم يعد مجرد تاريخ في الذاكرة، بل تحول إلى اختبار سنوي لمدى نضج السياسات الاجتماعية وقدرتها على التفاعل مع واقع متغير. إنه لحظة تتقاطع فيها الذاكرة بالنقد، والاحتفال بالمطالبة، والأمل بالحذر، في أفق بناء مجتمع أكثر توازنا، تكون فيه الكرامة الإنسانية ليست شعارا، بل ممارسة يومية ملموسة.

التعليقات مغلقة.