0

الانتفاضة 

في سياق سياسي يتسم بتزايد النقاش العمومي حول المسؤولية والشفافية، يبرز موقف التضامن مع السيد النائب البرلماني عبد العزيز درويش كرسالة واضحة تعكس تشبث فئة واسعة من المواطنين بقيم العدالة والإنصاف، وثقتهم في المؤسسات، وعلى رأسها القضاء المغربي باعتباره الجهة المخول لها الفصل في القضايا بعيدا عن أي تأويلات أو أحكام مسبقة.
إن إعلان التضامن اللامشروط مع درويش لا ينبغي قراءته فقط كدعم لشخصه، بل كدفاع عن مبدأ أساسي في دولة الحق والقانون، وهو قرينة البراءة إلى أن تثبت الإدانة. كما أن تجديد الثقة في نزاهة القضاء المغربي يعكس وعياً متزايداً بضرورة ترك المساطر القانونية تأخذ مجراها الطبيعي، بعيداً عن الضغوط أو الحملات التي قد تحاول التأثير على الرأي العام.
غير أن هذا النقاش يفتح الباب أمام تساؤلات سياسية مشروعة، خاصة فيما يتعلق بأداء الأحزاب وقراراتها خلال الاستحقاقات الانتخابية. وهنا يطرح بإلحاح سؤال ظل يتردد: لماذا لم يمنح حزب الاستقلال التزكية لمنصب رئيس المجلس الجماعي في الانتخابات السابقة، رغم حصوله على أغلبية عددية؟ هل كان ذلك خياراً استراتيجياً مبنياً على حسابات سياسية دقيقة، أم نتيجة توازنات داخلية أو تفاهمات خارجية؟
إن هذا التساؤل يقود بدوره إلى نقاش أوسع حول استقلالية القرار الحزبي. فبعض المتتبعين يذهبون إلى حد طرح فرضية وجود تأثير من طرف حزب الأصالة والمعاصرة على قرارات حزب الاستقلال، وهو طرح يحتاج إلى كثير من التمحيص والحذر. فالعمل السياسي بطبيعته قائم على التحالفات والتقاطعات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة فقدان الاستقلالية أو الخضوع لإملاءات خارجية.
في المقابل، قد تكون هناك اعتبارات أخرى، مثل السعي إلى تجنب صراعات داخلية، أو الرغبة في بناء تحالفات محلية تضمن استقرار التسيير، حتى وإن كان ذلك على حساب موقع الرئاسة. كما لا يمكن إغفال أن بعض القرارات الحزبية تُتخذ في سياقات معقدة، تتداخل فيها الحسابات التنظيمية مع التوازنات الميدانية.
إن المرحلة الراهنة تتطلب قدراً أكبر من الوضوح والتواصل من طرف الأحزاب السياسية مع قواعدها والرأي العام، خاصة حين يتعلق الأمر بقرارات تثير الجدل أو تطرح أكثر من علامة استفهام. فالمواطن اليوم لم يعد يكتفي بالشعارات، بل يبحث عن تفسير منطقي وشفاف للمواقف والاختيارات.
وفي الختام، يبقى دعم الأفراد في إطار احترام القانون، وطرح الأسئلة السياسية المشروعة، وجهين لعملة واحدة في مسار بناء ممارسة ديمقراطية سليمة. فلا التضامن يلغي المساءلة، ولا التساؤل يعني التشكيك، بل كلاهما يعكسان حيوية النقاش السياسي وضرورته في مجتمع يسعى إلى ترسيخ قيم العدالة والحكامة الجيدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.