الشاعرة عواطف الإدريسي بوخريص… من “يوميات بتلات الورد” إلى “يوميات وردة في الخليج”

سردٌ يعيد تشكيل أسئلة الذات في رواق دار التوحيدي بالمعرض الدولي للكتاب بالرباط 2026

0

الانتفاضة / حبيل رشيد

في سياق ثقافي يتسم بتسارع الإيقاع وتنازع المرجعيات، يظل الأدب، دون ريب، أحد الحقول القليلة القادرة على التقاط ما يتوارى خلف الضجيج… حيث تنبثق الكتابة بوصفها أداة للفهم وإعادة الترتيب، لا مجرد وسيط للتعبير. ومن هذا المنطلق، يتخذ حضور الشاعرة عواطف الإدريسي بوخريص داخل المعرض الدولي للكتاب بالرباط 2026 دلالته الخاصة، باعتباره امتدادًا لمسار إبداعي يتأسس على وعي مزدوج: وعي باللغة في بعدها الجمالي، ووعي بالتجربة في أفقها الإنساني.

لا شك أن رواق دار التوحيدي، الذي احتضن لحظة توقيع أعمالها منذ فاتح ماي، تحول إلى فضاء تتقاطع فيه النصوص مع أسئلة القراء… حيث لا يتعلق الأمر بعرض منشورات بقدر ما يرتبط بإعادة وصل ما انقطع بين الكاتب ومتلقيه. وبالتالي، فإن هذا الحضور يندرج ضمن دينامية ثقافية أوسع، تجعل من الكتاب مناسبة للحوار، ومن القراءة فعلاً تأمليًا يعيد مساءلة المسلّمات.ومن المؤكد أن تتبع المسار الإبداعي لعواطف الإدريسي بوخريص يكشف عن انتقال نوعي من ضيق التعبير الشعري إلى اتساع الحقل السردي، دون فقدان الحساسية الأولى التي شكلت نواة تجربتها… إذ إن دواوينها، المكتوبة بلغات متعددة، تؤشر منذ البداية على رغبة في تجاوز الحدود، وفي ملامسة القارئ من زوايا مختلفة. ومن ثم، تتشكل كتابة تتغذى من التعدد، وتستثمره في بناء رؤية متماسكة رغم تنوع مداخلها.

غير أن التحول الأبرز يتجلى في انخراطها في الكتابة الروائية، حيث تبرز روايتا “يوميات بتلات الورد” و“يوميات وردة في الخليج” كمحطتين تؤسسان لمسار سردي يتدرج من البوح الذاتي إلى مساءلة العالم… لا شك أن العمل الأول وضع الأسس الأولى لشخصية أنثوية تحاول فهم ذاتها داخل محيط متغير، بينما جاء العمل الثاني ليعمق هذا الاشتغال، ويدفع به نحو فضاءات أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل أسئلة الهوية مع رهانات الاغتراب.

وعلاوة على ذلك، فإن “يوميات وردة في الخليج” تفتح السرد على أفق نقدي، يتجاوز الحكاية المباشرة إلى تفكيك الصور الجاهزة… إذ تجد البطلة نفسها أمام تمثلات مسبقة تختزل هويتها، وتضعها داخل قوالب نمطية ضيقة، ما يجعل التجربة اليومية مجالاً لصراع صامت بين ما تريده وما يُفرض عليها. وبالتالي، فإن الرواية تشتغل على مستويات متعددة، تجمع بين السرد والتحليل، وبين التوثيق والتأويل.

كما أن البناء الحكائي في العملين يقوم على منطق الاختبار المستمر، حيث تواجه الشخصيات لحظات حاسمة تعيد صياغة اختياراتها… إذ يتحول الحب، في هذا السياق، إلى معطى مركب، تتداخل فيه الرغبة في الاستقرار مع الحاجة إلى الحفاظ على الذات. ومن ثم، يصبح السرد أداة للكشف، لا مجرد وسيلة للحكي، بما يعزز البعد التأملي للنص.

ومن الثابت أن الخلفية الشعرية للكاتبة تظل حاضرة في نسيجها الروائي، حيث تحافظ اللغة على توترها الداخلي، وتستثمر الإيقاع في بناء المعنى… جمل تمتد دون ترهل، وصور تنبثق من عمق التجربة لتمنح النص كثافة دلالية واضحة. لذلك، تبدو الكتابة عند عواطف الإدريسي بوخريص وكأنها اشتغال دائم على الحافة الفاصلة بين القول والإيحاء.

وفي سياق متصل، يعكس هذا المسار المتعدد الأجناس وعيًا إبداعيًا يسعى إلى استكشاف إمكانات التعبير في أكثر من اتجاه… حيث لا يتم الاكتفاء بنمط واحد، وإنما يتم توسيع دائرة الاشتغال لتشمل الرواية والشعر وأدب الطفل، بما يرسخ حضورًا متنوعًا داخل المشهد الثقافي. وبالتالي، فإن التجربة تكتسب طابعًا ديناميًا، يجعلها قابلة للتجدد والاستمرار.

ولا يمكن إغفال أن هذا الحضور يتزامن مع مرحلة دقيقة يعيشها الحقل الثقافي المغربي، في ظل رهانات الانفتاح واستحقاقات التموقع الدولي… حيث تصبح الثقافة، إلى جانب باقي القطاعات، عنصرًا محددًا في بناء الصورة العامة. ومن ثم، فإن إبراز تجارب إبداعية من هذا القبيل يندرج ضمن ضرورة تثمين الرأسمال الرمزي، الذي يشكل بدوره رافعة للتنمية الشاملة.

لذلك، فإن رواق دار التوحيدي داخل المعرض لم يكن مجرد محطة عابرة، وإنما شكل لحظة تكثيف لهذا المسار… حيث التقت النصوص بسياقاتها، وتجاورت التجربة مع قراءها في فضاء يعيد الاعتبار للكتاب كأداة للمعرفة، وكجسر يربط بين الذوات. وفي المحصلة، يتأكد أن تجربة عواطف الإدريسي بوخريص تمضي في اتجاه ترسيخ كتابة تجمع بين الحس الإنساني والوعي النقدي، وتفتح، دون ريب، أفقًا متجددًا للأدب المغربي المعاصر… حيث تظل الكلمة قادرة على إعادة ترتيب العالم، كلما ضاقت به السبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.