الانتفاضة // سمير شوقي
لقد كانت الحصيلة التي قرأها رئيس الحكومة “عزيز أخنوش” أمام البرلمان، مزيجاً من الحشو اللغوي و تضخيم الأرقام، و عبارة صريحة عن انفصام مع ما يعانيه المواطن من ضرب في القدرة الشرائية، و تفاقم البطالة و تردي الخدمات الاجتماعية. و فيما يلي 10 ملاحظات حول أبرز ماجاء في “خطاب الوداع”.
1- ارتفاع الإستثمارات الأجنبية
نعم ساعد ميثاق الإستثمارات في خلق دينامية استثمارية لكن وجب التنبيه كذلك لكون ارتفاع الإستثمارات الخارجية منذ العام 2022 مرتبط أساساً بقطاعات الصناعات العالمية (سيارات و طيران) و له علاقة كذلك بأوراش البنى التحتية التي لها علاقة بتنظيم كأس العالم 2030. هي إذن استثمارات متمركزة و غير هيكلية إن لم نقل ظرفية، تماماً مثل الإستثمارات العمومية التي استفادت من هذه الظرفية الخاصة و انتقلت من 230 مليار درهم إلى 380 مليار درهم (+65%) .
2- ضمان السيادة الصناعية و تعزيز تنافسية “صنع بالمغرب” على الصعيد العالمي
ان الصناعة المغربية لا تساهم في الناتج الداخلي الخام سوى ب 17% و هي نسبة ظلت مستقرة طوال ولاية الحكومة الحالية و لم تشهد أي تحول، لذلك الحديث عن السيادة الصناعية فهو مجرد إنشاء لغوي. أما ماركة “صنع في المغرب” التي يريد رئيس الحكومة تعزيز تنافسيتها العالمية فهي لا تتعدى 8% من الناتج الداخلي الخام ولا تزال تعاني حتى جهوياً و قارياً حيث تتفوق علينا تونس (13%) و مصر (10%).
3- ارتفاع المزيج الكهربائي من الطاقات المتجددة إلى %46
هنا يجب التفريق بين القدرة المركبة installed capacity و هي التي أعلن عنها رئيس الحكومة دون توضيح لحجم ذلك من الميغاواط، و بين القدرة على الإنتاج الفعلي production capacity و هي في حدود 25% بالمغرب.و حتى نكون أكثر دقة على رئيس الحكومة أن يقول للمغاربة كم من جيغاوط ننتج الآن و مقارنة ذلك مع الحاجة الإستهلاكية العامة.
4- مواصلة تنزيل مخطط الجيل الأخضر 2020-2030
بما أن رئيس الحكومة كان وزيراً للفلاحة مدة 14 عام كان حرياً به أن يقدم حصيلة للمخطط الأخضر و قد كان المشرف الأول عليه. و هي حصيلة لا لنا ننتظرها ! أما بخصوص ما تم إنجازه من مخطط الجيل الأخضر سأذكره فقط أن المغاربة كانوا الشعب العربي الوحيد الذي لم يستطع إقامة شريعة عيد الأضحى العام الفارط و ذلك بسبب تدبير سيء للقطيع. و هو تخبط اتضح جلياً في تضارب أرقام عدد رؤوس الماشية بالمغرب (أرقام ما قبل العيد و أرقام ما بعده). تم ان أكبر ادانة لهذا المخطط (الحيل الأخضر) هو ما تعرفه أسعار اللحوم و الخضراوات من لهيب غير مسبوق. مخطط يستفيد منه أساساً كبريات الاستغلاليات و جموع “الشناقة” الذين لهفوا العام المضي 13 مليار درهم بدون أي مجاعة كما جاءاك على لسان وزير الميزانية بالبرلمان
كما أنه لابد أن نذكر بمؤشر آخر عن فشل رئيس الحكومة في تدبير القطاع الفلاحي و هو تكليف جلالة الملك وزارة الداخلية بتدبير صندوق دعم العالم القروي
5- إطلاق خارطة طريق جديدة لتعزيز مكانة المغرب في مجال الإقتصاد الأزرق”
إن الحديث عن ارتفاع القيمة المضافة بين 2022 و 2024 من 14 مليار درهم إلى 16 مليار درهم هو منطق مبتور على اعتبار أن الإنتاج العام انخفض بين سنوات 2021 و 2025 من 1,36 مليون طن إلى 1,13 مليون طن أي بانخفاض بلغ 15%. نقطة أخرى لم يتطرق لها رئيس الحكومة و هو يتحدث عما اعتبره دينامية الصيد البحري و يتعلق الأمر بغلاء أسعار الأسماك بشكل غير مسبوق حتى انتقل سعر الكيلو من السردين من11 درهم إلى 30 درهم و أزيد. هذه حقيقة القطاع في بلد ال 3500 كيلومتر من الساحل البحري!
6- تطور نسب النمو يعكس نتائج سياسات اقتصادية مدروسة
لابد من التذكير أن التصريح الحكومي جاء بوعدٍ صريح و هو تحقيق نسبة نمو تبلغ 5% سنوياً و الحال أن معدل نسبة النمو بين 2022 و 2025 لم يتعدَ 3,2%، و هو رقم بعيد جداً عما جاء به النموذج التنموي الجديد (6%) و يمنع للأسف بلوغ شروط اقتصاد صاعد العام 2035. أما الرقم الذي أعلنه رئيس الحكومة (متوسط معدل النمو 4,5% من. 2022) فهو لايوجد لا في تقارير HCP و لا بنك المغرب !!!
7- وثيرة تشغيل مضاعفة مقارنة مع الماضي و خلق 850 الف منصب شغل”
انطلاقاً من نفس منطق لي عنق الأرقام يُسْقِطُ رئيس الحكومة أرقاماً من العدم بدون ذكر لا أصلها ولا مصدرها. بينما أرقام HCP واضحة (انظر الجدول) و تبين أن الحكومة لم تخلق في اربع سنوات سوى 94 الف منصب شغل صافي. و إذا كان رئيس الحكومة لا يفرق بين مناصب الشغل الخامة و الصافية فتلك طامة أعظم. كما أنه لم يذكر أن 38% من الشباب بين 18 و 25 سنة عاطل عن العمل و هذه قنبلة موقوتة.
8- “تم وضع مستوى المديونية العمومية في مسار تنازلي ليبلغ %67,2 سنة 2025”
و مرة أخرى لا أعرف من أين يستقي أرقامه ما لم لا يذكر أي مصدر. فأرقام HCP تشير لنسبة 75,6% سنة 2021 (930 مليار درهم) و 79,2% سنة 2025 (1140 مليار درهم). و بالتالي فالمديونية ارتفعت على عهد حكومة أخنوش ب 210 مليار درهم .
9- “ارتفعت الموارد العامة للدولة من 256 مليار درهم إلى 424 مليار درهم في اربع سنوات”
ارتفاع يعود بالأساس لضغط جبائي كبير على المقاولات و على الأفراد بالأضافة إلى مداخيل استثنائية كبيرة أهمها أكثر من 120 مليار درهم من بيع أصول الدولة أو ما تم تسميته بالتمويلات المبتكرة.
9- “إصلاح المنظومة الصحية و قطاع التعليم”
لا يمكن للمغاربة أن ينسوا أن التدبير الحكومي لهذين القطاعين هو الذي أخرج مظاهرات في جل المدن المغربية (جيل Z) و من تَمَّ تدخل جلالة الملك ليأمر برفع ميزانية القطاعين ب 140 مليار درهم.، و هذا في حد ذاته فشل حكومي ذريع.
10- “تعزيز البنيات التحتية للإتصالات 5G إلى جانب تطوير الأوفشورينغ “
تدخل الحكومة في هذا المجال محدود و يعتبر قطاعاً خاصاً بامتياز سواء بالنسبة للبنى التحتية أو التدبير و الحكامة. فشركتي اتصالات المغرب و إنوي أنجزتا استثماراً مشتركاً يقدر ب 4 مليار درهم خاص بشبكة 5G في المرحلة الأولى، بينما هناك تقديرات عن استثمارات إضافية تنضم إليها شركة أورانج بإجمالي يقدر بحوالي 15 مليار درهم. أما بخصوص الأوفشورينغ الذي لم ينطق رئيس الحكومة بخصوصه بأي رقم، سنقول له فقط ان هذا القطاع مقبل على زلزال كبير إذ سيفقد بين الثلث و النصف من مناصب الشغل (حوالي 200 الف منصب شغل) جراء اقتحام القطاع من طرف تطبيقات الذكاء الإصطناعي.
و في الأخير، قال رئيس الحكومة أن مسؤوليته هي أن يستيقظ كل صباح و هو يحمل على عاتقه أمانة جلالة الملك و ملايين المغاربة مدركاً أن بعض القرارات قد تكون صعبة”. و إذا أراد اليوم أن يعرف هل كان في مستوى الثقة الشعبية فله في مظاهرات جيل Z و شعاراتها جواباً شافياً، وله في ردود أفعال ملايين المغاربة عبر شبكات التواصل الاجتماعي حقيقة رجع صدى المجتمع المغربي. أما ضرورة اتخاذ قرارات صعبة من منصبه فهي قطب رحى المسؤولية وبما أنه يدرك ذلك ما كان عليه أن ينتقد كل الوقت قرارات صعبة اتخذها سابقوه .. كان عليه أن يتحلى بالشجاعة و يلغيها. لكنه لم يفعل لأنه كان يدري نجاعتها (ووزراؤه أعلنوا عن ذلك) ومع ذلك كان ينتقدها و هذه هي عصارة الشعبوية، التي مافتيء ينتقدها!
ملحوظة : بإمكانك أن تُجَمِلَ الأسلوب أو التأفيف لكن لا يمكنك أن تلوي عنق الأرقام و باللغة التي يفهمونها جيداً .
