رحيل هابرماس وإرثه بين الفلسفة النقدية والمواقف السياسية المثيرة للجدل

الانتفاضة/ م.السعيد بريس

توفي الفيلسوف الألماني البارز يورغن هابرماس، السبت 14 مارس الجاري، عن عمر يناهز 96 عاما، وفق ما أعلنت دار النشر سوركامب فيرلاغ، مستندة إلى تصريحات عائلته. ويعد هابرماس أحد أبرز أعلام مدرسة فرانكفورت، ومنظري الفعل التواصلي والمجال العام، وقد ترك إرثا فكريا ضخما يتجاوز الخمسين مؤلفا، جعل منه مرجعا للفلسفة وعلم الاجتماع، واعتبر من رموز الضمير الأخلاقي والفكري لألمانيا الحديثة.

شهدت حياة هابرماس إسهامات كبيرة في مجالات الفلسفة السياسية والاجتماعية، حيث ركز على التحليل النقدي للأطر الاجتماعية والسياسية، وطور مفاهيم مثل الفعل التواصلي وفضاء المجال العام، مؤكدا على أهمية الحوار كوسيلة لإرساء العدالة والديمقراطية. من بين أعماله الأكثر تأثيرا: منطق العلوم الاجتماعية (1967)، نحو مجتمع عقلاني (1967)، التواصل وتطور المجتمع (1976)، *الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي (1983)، وتاريخ الفلسفة (2019). وقد أكسبه عمله العديد من الجوائز والتكريمات عالميا، واعتبر صانعا للخطاب النقدي المعاصر.

إلا أن وفاة هابرماس تأتي في ظل جدل واسع حول موقفه الأخير من الحرب على غزة. فقد أصدر بيانا مشتركا مع عدد من المفكرين الألمان، أدانوا فيه ما وصفوه بـ”المجزرة التي ارتكبتها حماس ضد إسرائيل”، معتبرين أن رد إسرائيل كان مبررا ضمن سياق المواقف الأخلاقية والسياسية. وقد أثار هذا الموقف انتقادات واسعة، إذ اعتبره بعض النقاد انحيازا سياسيا تجاه إسرائيل، متجاوزا المبادئ الفلسفية التي طالما دافع عنها هابرماس، والتي تقوم على التحليل النقدي الشامل والبحث المتجرد عن الحقيقة بغض النظر عن الأطراف.

ويرى منتقدوه أن موقفه الأخير يمثل انزلاقا أخلاقيا، حيث بدا الفيلسوف، رغم إرثه الكبير، متأثرا بالسياسات الغربية وخوفا من اتهامات معاداة السامية، متجاوزا مبادئه الفكرية حول العدالة والشمولية النقدية. ويقارن النقاد هذا الموقف بتوجهه النقدي الحاد خلال سبعينات القرن الماضي حين عارض الحرب الأمريكية على فيتنام واعتبرها حربا عدوانية غير مشروعة ذات دوافع رأسمالية، مؤكدا على التزامه بالتحليل الموضوعي للنزاعات الدولية.

يترك رحيل هابرماس فراغا كبيرا في الفلسفة وعلم الاجتماع، ويعيد النقاش حول العلاقة بين الفلسفة والسياسة، وحدود النقد الأخلاقي في مواجهة الأزمات العالمية، إلى الواجهة. فقد ظل طوال حياته صوتا مؤثرا في الدفاع عن الحوار العقلاني، والعدالة الاجتماعية، وفضاء النقاش الحر، بينما يظل إرثه الفكري مرجعا أساسيا لدراسة التحولات الاجتماعية والسياسية في القرن العشرين والحادي والعشرين.

التعليقات مغلقة.