الانتفاضة
الخرائط التي تُعلَّق في مكاتب البنتاغون، وفي أروقة الكرملين، وفي غرف التخطيط داخل تل أبـ..يب، تمرّ فوق الأراضي العربية كأصابع تمسّ عصبا حيّا، كأنها تتحسس جسدا يعرفون أنه يتألم، ويعرفون أيضا أنه لا يملك ترف الانسحاب…
العرب حاضرون، بدمهم، بمدنهم، بمضائقهم البحرية، بخزانات طاقاتهم، بتركيبتهم الديموغرافية التي تتقاطع فيها الطوائف والإثنيات واللغات واللهجات كنسيج هشّ مشدود على حافة الاشتعال.
هم مركز الثقل في معادلة الطاقة العالمية، عقدة المرور بين قارات ثلاث، الذاكرة الجيوسياسية المفتوحة على حروب القرن العشرين، ومختبر القرن الحادي والعشرين لصراعات الوكالة، وحروب الظل، والاقتصاد المُسلّح بالعقوبات…
حين يشتبك المحور الأميركي الإسرائيلي مع إيران، تتحرك حاملات الطائرات في البحار الدافئة، تتكاثر المناورات العسكرية، تتراكم التصريحات، تتصاعد نبرة الردع النووي، تتكلم الأقمار الصناعية، تتكاثر التقارير الاستخباراتية.
غير أن النار، دائما، تجد طريقها إلى مدن عربية، إلى شوارع ضيقة في بيروت ، إلى سماء بغداد، إلى أطراف دمشق، إلى خاصرة اليمن…
الصراع يصاغ في عواصم بعيدة، والارتدادات تضرب الإسفلت العربي أولا، كأن هذه الأرض قدر جيولوجيّ للانفجار.
هم الملعب الذي تدار فيه اللعبة، والمدرجات التي تُملأ بالتصفيق القلق، والكواليس التي تُرتَّب فيها الصفقات، والأنقاض التي تُلتقط فيها الصور…
تتجاور القواعد العسكرية مع الأحياء الشعبية، تتقاطع صفقات السلاح مع خطب الجمعة، يتداخل خطاب الأمن القومي مع خطاب الخلاص الديني، وتصاغ الهويات تحت ضغط دائم، ضغط يجعل الوعي متوترا، مشتتا، مثقلا بإرث الهزائم وبطموحات مؤجلة…
التاريخ هنا هو طاقة كامنة، مخزون من الصدمات الكبرى: سايكس-بيكو كجرح هندسي، 1948 كنكبة وجودية، 1967 ككسار سيكولوجي، حروب الخليج كإعادة رسم للهيمنة، ما سُمّي بالربيع العربي كزلزال بنيوي أعاد ترتيب الخوف والأمل معا…
كل محطة تركت أثرا في البنية العميقة للوعي الجمعي، تشكلت أنماط من التكيف، من الحذر، من الارتياب، من الميل إلى نظرية المؤامرة، من الإيمان بأن الخيوط تحاك دائما خارج الحدود..
وهنا، يطفو سؤال السيادة ككلمة مهيبة، مثقلة بالبلاغة، فارغة أحيانا من مضمونها الفعلي.
سيادة منقوصة، محكومة باقتصاد ريعي، أو بديون سيادية، أو بشروط صندوق النقد، أو بتحالفات أمنية، أو بضرورات البقاء في نظام دولي تُحدِّد قواعده قوى كبرى تمتلك فائض القوة وفائض السردية…
الدولة العربية الحديثة، في كثير من نماذجها، وُلدت في سياق استعجال تاريخي، حملت معها تناقضات التأسيس، فبقيت هشاشة الشرعية تتغذى من الطوارئ، ويتغذى الخوف من استمرار الطوارئ.
في قلب هذا المشهد، تتشكل مفارقة موجعة: الشعوب التي تُتَّهم بالعجز هي ذاتها التي تتحمل الكلفة القصوى لكل اشتباك إقليمي…
العقوبات تُفرض على أنظمة، فتنكمش قدرة الناس على التنفس الاقتصادي.
الحصار يُعلن لأهداف استراتيجية، فتُغلق أبواب المدارس، وتُظلم المستشفيات، ويعاد تعريف الحياة اليومية باعتبارها معركة بقاء.
غسان كنفاني، الذي عرف مبكرا معنى أن تكون الأرض مسرحا لصراعات أكبر من أهلها، كتب ذات يوم أن القضية ليست بندقية تُحمل فحسب، هي وعي يصان، وحكاية تُروى، وكرامة تُحمى…
كلماته ما زالت تتردد كصدى في ممرات المخيمات، في دفاتر اللاجئين، في وجدان كل من شعر أن العالم يتقاسم جسده دون أن يستشيره.
القضية، عنده، كانت سؤالا أخلاقيا قبل أن تكون ملفا سياسيا، سؤال العدالة حين تُسحق تحت جنازير المصلحة.
وفي مكان آخر من هذا الكوكب، كان نعوم تشومسكي يحفر عميقا في بنية الخطاب الإمبراطوري، يكشف كيف تُصنع “الموافقة” عبر الإعلام، كيف تعاد صياغة الوقائع لتصبح مقبولة، كيف يتحول القصف إلى عملية جراحية، وكيف يُقدَّم الحصار باعتباره ضرورة أخلاقية…
صوته، الخارج من قلب المؤسسة الأكاديمية الأميركية، بدا كأنه شهادة من الداخل على هندسة الهيمنة، على ذلك النسق الذي يجعل القوة معيارا للشرعية، ويمنح الرواية الأقوى قدرة على تعريف الحقيقة ذاتها…
العالم لا يتحرك وفق براءة أخلاقية، يتحرك وفق موازين قوى، وفق حسابات الردع، وفق شبكات مصالح عابرة للقارات، وفق تحالفات تتبدل مع تبدل الأولويات.
وفي هذه الشبكة المعقدة، تتحول المنطقة العربية إلى عقدة استراتيجية، مضيق هرمز شريان طاقة، باب المندب بوابة تجارة، قناة السويس خط إمداد عالمي، فلسطين بؤرة رمزية للصراع المفتوح، الخليج مخزون هائل للطاقة والرساميل.
من هنا، يصبح الحديث عن “لا دور” نوعا من التبسيط المريح.
الدور قائم، لكنه مفروض، مكلف، مشروط…
دور يُمارَس من موقع التلقي أكثر مما يُمارَس من موقع المبادرة، دور يتشكل تحت ضغط الجغرافيا والاقتصاد والتاريخ، ويتقاطع مع إرادات دولية ترى في هذه المنطقة مختبرا دائما لإعادة ترتيب النظام العالمي…
غير أن السؤال الأعمق يتجاوز السياسة اليومية.
كيف يمكن لمجتمعات أنهكها الاستبداد، وأثقلتها الأزمات الاقتصادية، وتنازعتها الهويات الفرعية، أن تعيد بناء ذاتها كفاعل مستقل؟
كيف يتحول الوعي من رد فعل إلى فعل؟
كيف تُستعاد السيادة كقدرة فعلية على القرار، لا كشعار يُرفع في المهرجانات؟
المأساة أن النار حين تشتعل، تترك خلفها رمادا كثيفا، وفي الرماد تختلط الحقيقة بالدعاية، ويصير من الصعب تمييز من أشعل الشرارة ومن استفاد من الحريق…
المشهد الراهن، بتشابكاته بين إسرائيل وأميركا وإيران، يعيد إنتاج هذه الثنائية القاسية: صراع يدار باسم الأمن والردع، وواقع عربي يعاد تشكيله تحت ضغط الانفجارات المتتالية….
ومع ذلك، يبقى في هذا الركام إمكان آخر، إمكان أن يتحول الوعي بالمأزق إلى لحظة نقد جذري، إلى مساءلة للبنية السياسية، إلى إعادة تعريف للمصلحة الوطنية خارج الاصطفافات العمياء.
التاريخ لم يُغلق صفحته بعد، والجغرافيا لم تقل كلمتها الأخيرة.
هذه الأرض التي احترقت مرات، ما زالت تحمل في طبقاتها العميقة قدرة على النهوض، على إعادة صياغة المعنى، على تحويل الألم إلى سردية مقاومة، وعلى استعادة موقعها في العالم من موقع الفاعل لا المفعول به…
العرب حاضرون في الساحة الدولية، حضورا كثيفا، متوترا، ملتبسا.
حضور يقاس بعدد القواعد العسكرية، بعدد اللاجئين، بعدد صفقات السلاح، بعدد البيانات الدبلوماسية، بعدد القمم الطارئة.
وحضور يقاس أيضا بقدرة شعوبهم على الصمود، على إنتاج ثقافة، على كتابة رواية، على قول كلمة في وجه آلة ضخمة تريد أن تختزلهم في أرقام وتقارير.
في النهاية، اللعبة ليست قدرا أبديا.
الملعب يمكن أن يتحول إلى منصة، والمدرجات إلى فضاء نقد، والنار إلى درس في إعادة ترتيب الأولويات.
ذلك التحول يحتاج وعيا تاريخيا، شجاعة أخلاقية، ورؤية تتجاوز اللحظة الآنية نحو أفق أوسع، أفق يحرر الجغرافيا من لعنتها، ويعيد للإنسان العربي حقه في أن يكون لاعبا كامل الإرادة، كامل الصوت، كامل الحضور…
التعليقات مغلقة.