حين تفضح الأرقام اختلال التدبير… من يُحاسب على تعثر أوراش مراكش؟

الانتفاضة // شاكر ولد الحومة 

في تدبير الشأن العام قد تختلف التقديرات، وقد تتباين الرؤى، لكن الأرقام تبقى اللغة الأكثر صدقاً، وعندما تتكلم الأرقام في مراكش فإنها لا تهمس بل تصرخ.

تهيئة شارع عبد الكريم الخطابي، بحسب المعطيات المتداولة، أُنجزت في ظرف شهر واحد فقط، وبكلفة تقارب 79.847.817,60 درهم أي حوالي 80 مليون درهم، وهو شارع بطول يقارب في امتداده شارعي علال الفاسي ومولاي عبد الله، وكانت النتيجة أشغالاً سريعة وجاهزية قبل موعد دولي حساس وانسيابية أعادت للمدينة جزءاً من صورتها.

في المقابل تكشف وثائق الصفقات المتعلقة بتهيئة مقاطع أخرى بالمدينة عن أرقام مختلفة تماماً، فقد بلغت قيمة الصفقة الخاصة بـ LOT 1 التي رست على شركة GROUPE MOJAZINE مبلغ 79.785.934,80 درهم، فيما بلغت قيمة LOT 2 التي رست على شركة STAPORT مبلغ 81.019.218,00 درهم، كما بلغت صفقة شركة CAMPEZO مبلغ 97.670.935,20 درهم، وصفقة شركة MP PROJECT مبلغ 68.925.333,60 درهم، إضافة إلى صفقات أخرى بقيم 5.530.162,80 درهم و4.849.626,00 درهم.

وعند جمع بعض هذه المبالغ المرتبطة بمحوري علال الفاسي ومولاي عبد الله فإن الكلفة الإجمالية تتجاوز سقف 224 مليون درهم، دون احتساب كلفة تحويل الشبكات والمساحات الخضراء، ودون احتساب الكلفة الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عن التأخير.

ومع ذلك وبعد أزيد من ستة أشهر ما تزال الأشغال متعثرة، والحفر مفتوحة، والمسارات متقطعة، فيما تؤدي الساكنة الثمن يومياً من خلال الاختناق المروري وتراجع رقم معاملات التجار والمعاناة المستمرة للسكان.

هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح، كيف يُنجز شارع بطول مماثل في شهر واحد وبميزانية أقل، بينما يتعثر مشروعان بميزانية أكبر ومدة أطول، هل يتعلق الأمر باختلاف في طبيعة الأشغال، أم أن الأمر مرتبط بسرعة استثنائية عندما تكون المدينة تحت أنظار العالم، أم أن الخلل يكمن في التخطيط والتنسيق وتتبع الأوراش، وأين هي آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

الوثائق تشير إلى أن الصفقات رُست على الشركات المعنية وفق مقتضيات المادة 43 من المرسوم رقم 2-22-431 المتعلق بالصفقات العمومية، أي على أساس العرض الأكثر أفضلية من الناحية الاقتصادية، غير أن السؤال لا يتعلق فقط بكيفية الإسناد بل بكيفية التنفيذ واحترام الآجال وجودة الإنجاز.

ما جدوى الحديث عن أفضل عرض اقتصادي إذا كان الإنجاز يتأخر، وإذا كانت الكلفة الزمنية والاجتماعية تتضاعف.

إن تدبير قطاع حساس كالأشغال والتهيئة الحضرية يتطلب قيادة ميدانية حازمة، وتنسيقاً يومياً بين مختلف المتدخلين من ماء وكهرباء واتصالات وتطهير ومساحات خضراء، وجدولة دقيقة لا تسمح بتقاطع الفوضى مع الزمن السياسي، غير أن ما تعيشه بعض شوارع مراكش يكشف ضعفاً واضحاً في المواكبة والتتبع وارتباكاً في التنزيل وغياباً للصرامة في فرض احترام الآجال.

والأخطر أن هذا الارتباك يُقرأ سياسياً كضعف في أداء النائب المفوض له القطاع، فالساكنة لا ترى دفاتر التحملات ولا محاضر اللجان بل ترى الحفر المفتوحة والأشغال المتوقفة، ولا يهمها من فاز بالصفقة بل من يتحمل مسؤولية التأخير.

إذا كان إنجاز شارع عبد الكريم الخطابي قد تم بسرعة قياسية تحت ضغط حدث دولي فهذا يعني أن القدرة التقنية واللوجستية موجودة، فلماذا تغيب هذه الفعالية عندما يتعلق الأمر بأوراش تمس الحياة اليومية للمواطنين، هل نحن أمام تدبير ظرفي تحكمه المناسبات، أم أمام غياب رؤية استراتيجية متكاملة للتهيئة الحضرية، أم أن تعدد المتدخلين أصبح ذريعة لتبرير بطء غير مقبول.

مراكش ليست مدينة مناسبات فقط، وليست واجهة تُلمَّع حين تقترب الكاميرات وتُترك أوراشها مفتوحة حين ينصرف الضوء، إنها مدينة ساكنة دائمة تجاراً وطلبةً وعمالاً وأسرًا تريد طرقاً سالكة لا أعذاراً جاهزة.

اليوم المطلوب ليس تبادل الاتهامات بل كشف معطيات دقيقة للرأي العام، ما هو الجدول الزمني الأصلي لكل مشروع، ما نسبة تقدم الأشغال الحقيقية، ما أسباب التأخير التقنية أو الإدارية إن وُجدت، وهل فُعِّلت بنود الجزاءات في حال الإخلال بالآجال.

إن الشفافية ليست ترفاً سياسياً بل واجباً أخلاقياً وقانونياً، وربط المسؤولية بالمحاسبة ليس شعاراً بل معياراً لقياس جدية التدبير.

حين تتكلم الأرقام يسقط الصمت، وحين تتكرر الأسئلة دون أجوبة يتحول الصمت إلى مسؤولية، ومراكش تستحق أجوبة واضحة، و لا تحتاج شعارات شعبوية فارغة من قبيل “البام باش مراكش تزيد القدام”.

التعليقات مغلقة.