الانتفاضة ** نور الهدى العيساوي
أعادت عودة فيروس نيباه إلى الواجهة الصحية في الهند خلال يناير الجاري مخاوف قديمة متجددة، بعدما أكدت السلطات تسجيل حالات إصابة جديدة بهذا الفيروس النادر والخطير، المعروف بارتفاع معدل الوفيات المرتبط به وغياب أي لقاح أو علاج معتمد حتى الآن. التطور الأخير دفع الجهات الصحية إلى رفع مستوى التأهب، خاصة بعد تسجيل إصابات في صفوف الطواقم الطبية، ما زاد من القلق بشأن احتمال انتقال العدوى داخل المرافق الصحية.
فيروس نيباه، بحسب منظمة الصحة العالمية، هو مرض فيروسي حيواني المنشأ، يُعتقد أن خفافيش الفاكهة تمثل المستودع الطبيعي الرئيسي له، مع إمكانية انتقاله إلى الإنسان إما عبر الاتصال المباشر بالحيوانات المصابة أو من خلال أغذية ملوثة، إضافة إلى انتقاله بين البشر في حالات الاحتكاك الوثيق، خصوصاً في البيئات الطبية. وقد سبق للفيروس أن تسبب في تفشيات محدودة في عدد من دول جنوب وجنوب شرق آسيا، من بينها الهند وبنغلاديش وماليزيا.
وتشير المعطيات الطبية المؤكدة إلى أن أعراض الإصابة تبدأ عادة بحمى وصداع وإرهاق، قبل أن تتطور في بعض الحالات إلى التهاب دماغ حاد أو اضطرابات تنفسية خطيرة، وهي مضاعفات قد تكون قاتلة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن معدل الوفيات في تفشيات سابقة تراوح بين 40 و75 في المائة، وهي نسبة مرتفعة جعلت الفيروس يصنف ضمن أخطر العوامل الممرضة ذات الإمكانات الوبائية العالية.
وفي السياق ذاته، أكدت السلطات الصحية الهندية أنها سارعت إلى عزل المصابين وتعقب المخالطين وفرض إجراءات حجر صحي احترازية، في محاولة لاحتواء التفشي ومنع انتقال العدوى على نطاق أوسع. كما جرى تعزيز بروتوكولات الوقاية داخل المستشفيات، خاصة في أقسام الطوارئ والعناية المركزة، في ظل تسجيل إصابات بين عاملين صحيين، وهو ما يعكس حساسية الوضع داخل المنظومة العلاجية.
ولا يتوفر حتى الآن أي علاج نوعي أو لقاح معتمد ضد فيروس نيباه، إذ يقتصر التعامل الطبي مع الحالات المؤكدة على الرعاية الداعمة، مثل دعم الوظائف الحيوية ومراقبة المضاعفات. هذا الواقع دفع منظمة الصحة العالمية إلى إدراج الفيروس ضمن قائمة الأمراض ذات الأولوية البحثية، والدعوة إلى تسريع تطوير لقاحات وعلاجات محتملة، بالنظر إلى خطورته وإمكاناته الوبائية.
ورغم القلق الذي أثاره الإعلان عن الحالات الجديدة، تؤكد الجهات الصحية أنه لا توجد، في الوقت الراهن، مؤشرات مؤكدة على انتشار مجتمعي واسع للفيروس، مشددة على أن الوضع لا يزال تحت السيطرة. وتشير تقارير دولية، من بينها تغطيات إعلامية لوكالات أنباء عالمية إلى أن التفشي الحالي يظل محدوداً جغرافياً، مع استمرار المراقبة الوبائية الدقيقة.
ويعيد هذا التطور تسليط الضوء على العلاقة المعقدة بين الإنسان والبيئة، وعلى المخاطر الصحية المرتبطة بتوسع العمران والتداخل المتزايد مع الحياة البرية. كما يبرز أهمية الجاهزية الصحية والاستجابة السريعة للأمراض النادرة، خصوصاً في الدول ذات الكثافة السكانية العالية، حيث يمكن لأي تأخير أن يؤدي إلى مضاعفات واسعة.
في المحصلة، يمثل ظهور فيروس نيباه مجدداً في الهند إنذاراً صحياً يستدعي الحذر دون تهويل، ويؤكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن في عدد الحالات المسجلة حالياً، بل في طبيعة الفيروس وخصائصه، وفي غياب أدوات وقائية فعالة، وهو ما يجعل الوقاية والكشف المبكر والعزل السريع الركائز الأساسية لاحتواء أي تفشٍ محتمل.
التعليقات مغلقة.