مفارقات مكناس التي لا تنتهي…اش خاصك العريان… الحافلات أمولاي ومكناس غارقة في التهميش

الانتفاضة  ** نور الهدى العيساوي 

في مكناس، تتجلى واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً في تدبير الشأن العام، حيث يُعلن عن تخصيص أكثر من مليار سنتيم لاقتناء حافلات سياحية، بينما تعيش المدينة نفسها حالة شبه يومية من الإهمال والتهميش، وهو واقع يثير الأسئلة حول ترتيب الأولويات وأسس التدبير الحضري. هذه المبادرة، من منظورها الرسمي، تهدف إلى تعزيز جاذبية المدينة للسياحة وتحسين وسائل النقل المقدمة للزوار، لكن الوقائع الميدانية تكشف فجوة عميقة بين الخطط والممارسات: الشوارع مدمرة في مناطق واسعة، الأرصفة منهارة، الإنارة العمومية غائبة أو غير كافية، والأشغال المفتوحة تتحول إلى “حفاري” تتسبب في عرقلة الحركة اليومية للساكنة وزيادة الإحباط المجتمعي.

المفارقة الأكبر تكمن في أن المدينة تستثمر مبالغ ضخمة في حافلات سياحية فاخرة بينما يعاني السكان من نقص الخدمات الأساسية، ما يعكس خللاً جذرياً في تحديد الأولويات. هذه الخطوة تكشف أن التدبير يعتمد على المظاهر والمشاريع الرمزية التي قد تجلب الانتباه الإعلامي أو السياسي، لكنها لا تعالج الاحتياجات الحقيقية للساكنة اليومية. المدن التاريخية مثل مكناس تحتاج أولاً إلى إصلاح شامل للبنية التحتية الأساسية قبل الاستثمار في مشاريع سياحية، فالسياحة لا تقوم فقط على وسائل نقل حديثة، بل على بيئة حضرية سليمة، آمنة، ومريحة، توفر أساساً يجعل الزائر يشعر بالقيمة الحقيقية للمكان وليس مجرد صورة خارجية فاخرة.

غياب المتابعة الجدية من قبل المسؤولين المنتخبين والسلطات المحلية يعمّق المشكلة، حيث لا توجد رقابة فعالة على الأوراش ولا محاسبة للمشاريع المتعثرة، ما يزيد شعور المواطنين بالتهميش والإحباط. هذا الواقع يجعل إنفاق مليار سنتيم على حافلات سياحية أمراً يطرح تساؤلات أخلاقية ومالية، فهو استثمار لا يرتبط بالاحتياجات الملموسة للسكان، ويضع المدينة في موقف مضطرب بين التظاهر بالتقدم وتجاهل الواقع اليومي.

على مستوى التحليل الأعمق، يعكس هذا الوضع خللاً في فلسفة التنمية المحلية: الاهتمام بالمظاهر والرموز السياحية على حساب الأولويات الحقيقية، مثل تحسين البنية الأساسية، توفير خدمات أساسية، وترسيخ إشراف مسؤول وفعال على المشاريع. كما يشير إلى ضعف التخطيط الاستراتيجي الذي يربط بين الاستثمار السياحي والتنمية المستدامة للمدينة، وهو ما يجعل أي مشروع رمزي مهما كان كبيره، غير قادر على تحسين جودة الحياة للسكان.

إن مكناس بهذا المعنى ليست فقط مهمشة، بل مستغلة رمزياً في مشاريع ظاهرها فخامة وباطنها تجاهل للواقع. أي حديث عن تطوير السياحة يجب أن يسبق إصلاح شامل للمدينة، وإلا فإن كل استثمار يُدفع من جيوب المغاربة، مهما بلغت قيمته، سيظل مجرد تجميل سطحي لا يغير شيئاً من حياة السكان ويزيد شعورهم بالخذلان من السلطات التي وعدت ولم تفِ. مكناس بحاجة إلى مسؤولين يحضرون فعلاً، لا صور إعلامية، وإلى خطة واضحة لتصحيح اختلالات البنية التحتية قبل أي حديث عن مشاريع سياحية فاخرة.

التعليقات مغلقة.