ضريبة الكرة…

الانتفاضة

لم تكن كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب مجرد بطولة كروية عادية، بل تحولت، في جزء من الخطاب المحيط بها، إلى ساحة لمحاكمة بلد كامل فقط لأنه اختار أن ينجح. فمنذ الأسابيع التي سبقت صافرة البداية، بدا أن المغرب دخل المنافسة وهو متهم سلفًا، لا بقرارات تحكيمية ولا بأخطاء تنظيمية، بل بجريمة غير مكتوبة اسمها “التفوق”، حيث انطلقت اتهامات جاهزة بالكولسة وشراء الذمم والتأثير في الكواليس، دون قرائن أو وقائع، وكأن هناك من قرر مسبقًا نزع الشرعية الرياضية عن أي إنجاز مغربي محتمل. هذا الخطاب لم يكن نقدًا رياضيًا مشروعًا، بقدر ما عكس مزاجًا نفسيًا وثقافيًا قلقًا من نموذج إفريقي يشتغل بهدوء، يخطط، يستثمر، وينافس، منذ مونديال قطر حيث كسر المغرب سرديات قديمة عن “سقف” الكرة الإفريقية، وفرض نفسه كاستثناء غير مريح في منظومة اعتادت تبرير الفشل أكثر مما تحتفي بالنجاح. المفارقة الصارخة أن المعايير بدت مزدوجة إلى حد الفجاجة: فوز المغرب يُقرأ كدليل إدانة، وفوز غيره يُحتفى به كملحمة كروية خالصة، دون مساءلة أو تشكيك، وكأن البطولة لا تحتمل تتويج من أحسن الإعداد والتنظيم. الأكثر غرابة أن هذا “الوعي الأخلاقي” المفاجئ تجاه النزاهة يتجاهل تاريخ كأس إفريقيا نفسه، بما راكمه من فضائح تحكيمية، وفوضى تنظيمية، ومشاهد عنف، مرت في صمت أو بتبريرات باردة، دون أن تتحول إلى حملات تشكيك مسبق في الدول المنظمة. لماذا إذن المغرب؟ لأن النجاح، في بيئة لم تصالح بعد فكرة التفوق المستدام، يصبح فعلًا استفزازيًا، ومرآة قاسية تكشف أعطاب الآخرين. كرة القدم الإفريقية لا تحتاج إلى شيطنة الناجحين بقدر ما تحتاج إلى توحيد ميزان التقييم، حيث يُنتقد الجميع بالقدر نفسه، ويُحتفى بالإنجاز أيا كان صاحبه. فالخطر الحقيقي على اللعبة ليس في انتصارات هذا المنتخب أو ذاك، بل في ثقافة تشكك في كل من يثبت أن الحلم الإفريقي ممكن، وقابل للتحقق، إذا توفرت الرؤية والإرادة والعمل.

التعليقات مغلقة.