الانتفاضة << نادية عسوي
«اللي بغيتي تبقا محبته معاك، ما تدخلّوش لدارك ياكل طعامك حيث الطعام والملح كايفضح، وهاكّا كتتفضح العلاقة».
بهذه الجملة البسيطة، التي كانت ترددها جدتي رحمها الله، تختصر حكمة شعبية مغربية عميقة فلسفة كاملة في فهم العلاقات الإنسانية، الفردية والجماعية. لم تكن تتحدث عن بخل ولا عن قطيعة، بل عن الوعي بالحدود، وعن إدراك أن القرب الزائد أحيانًا لا يحمي المحبة بل يعرّيها.
في ثقافتنا المغربية، لم يكن الكرم يومًا موضع نقاش. هو جزء من الهوية، من التربية، ومن الذاكرة الجماعية. نفتح بيوتنا، نمد موائدنا، ونستقبل الضيف بوجه بشوش وقلب واسع. لكن التجربة، كما تقول الجدّات، هي التي تعلّم. فليس كل من شاركك الطعام يشاركك النية، وليس كل من جلس إلى مائدتك يحفظ لك الود.
وحين نُسقط هذه الحكمة على واقع العلاقات بين الشعوب، نفهم أن الخطأ لم يكن في حسن النية، بل في الإفراط فيها. كثرٌ صدّقوا أن القرب وحده يصنع الأخوة، وأن الشعارات تكفي لبناء علاقات متوازنة. لكن الواقع أثبت أن العلاقات، مثل البيوت، تحتاج إلى أبواب: تُفتح حين يجب، وتُغلق حين يلزم.
المغرب، عبر تاريخه، لم يكن منغلقًا ولا معاديًا لأحد. كان دائمًا منفتحًا، متعاونًا، ومبادرًا بالخير. لكنه أيضًا بلد له ذاكرة. ذاكرة تقول إن الاحترام لا يُطلب بل يُفرض، وإن السيادة لا تُقايَض بالعواطف، وإن الكرم حين يُساء فهمه يتحول من قيمة إلى نقطة ضعف.
قولنا اليوم إن المغرب للمغاربة والمغاربة للمغرب لا يعني إنكار الإنسانية ولا التنكّر للتعاون، بل يعني ترتيب الأولويات. يعني أن الوطن ليس ساحة مجاملات، ولا مائدة مفتوحة بلا ضوابط. هو بيت، ومن حق صاحب البيت أن يحدد من يدخل، وكيف يدخل، ومتى يغادر.
لقد علمتنا التجارب أن بعض العلاقات تصلح للتعاون من بعيد، لا للمعيش المشترك. تصلح للتبادل، لا للذوبان. تصلح للاحترام المتبادل، لا لرفع الشعارات الفضفاضة التي تسقط عند أول امتحان.
جدتي لم تكن تقرأ في السياسة ولا في العلاقات الدولية، لكنها فهمت ما لم يفهمه كثيرون: أن القرب الحقيقي يحتاج وعيًا، وأن المحبة إن لم تُحمَ بالحدود تفسد. وهكذا، مثلما في البيوت، كذلك بين الأوطان: حين تختلط الأمور، ينكشف كل شيء، ويظهر ما كان مخفيًا.
ليس في الأمر قسوة، بل نضج. وليس فيه عداء، بل حفاظ على الذات. فالأمم، مثل الأفراد، تكبر حين تتعلم متى تعطي، ومتى تتوقف، ومتى تقول: هنا بيتي، وهنا حدوده.
التعليقات مغلقة.