الانتفاضة/ ابن الحوز
رغم أن المغرب يشهد تطورا ملحوظا في البنية التحتية والخدمات الصحية، ويبرز كواجهة حديثة أمام العالم، إلا أن الواقع على الأرض يختلف كثيرا، خاصة في المناطق القروية والنائية. هناك العديد من المناطق التي لا تزال تعاني نقصا شديدا في الخدمات الصحية الأساسية، حيث يضطر المرضى في بعض القرى إلى التنقل على ظهور الحمير حاملةً للنعوش للوصول إلى المستشفيات أو المراكز الصحية، من أجل الحصول على أبسط حقوقهم: العلاج والرعاية الطبية.
مروحيات وزارة الصحة، التي قد تبدو حلا مثاليا للوصول السريع إلى المرضى في المناطق النائية، موجودة فعليا، لكنها محدودة العدد، وغالبا ما تخصص لحالات معينة أو مناطق محددة دون سواها. في بعض الأحيان، تستخدم هذه المروحيات لأغراض رمزية أو في مناسبات خاصة، ما يجعل الاعتماد عليها كآلية دائمة لإنقاذ الأرواح غير عملي.
أما سيارات الإسعاف، فهي موجودة أيضا، لكنها تواجه مشاكل تشغيلية عدة. فمنها ما هو معطل، ومنها ما يفتقد للسائق أو للوقود اللازم، وفي أحيان أخرى، يغيب المسؤول الذي يملك صلاحية إصدار أوامر استخدام هذه السيارات في الحالات الطارئة. هذا الواقع يعكس فجوة كبيرة بين الإمكانيات المتاحة على الورق وبين القدرة الفعلية على الاستجابة السريعة لحالات الطوارئ الصحية.
آليات التدخل السريع في حالات الطوارئ بالعالم القروي، على الرغم من وجودها شكليا ضمن الخطط الوطنية، إلا أن تطبيقها الفعلي يواجه العديد من العراقيل. فغياب التنسيق الفعال بين الجماعات المحلية ومصالح الصحة والوقاية المدنية يؤدي إلى ضعف الاستجابة وتأخر وصول المساعدة للمرضى. وهذا ما يضاعف معاناة سكان هذه المناطق ويجعلهم أكثر عرضة للمضاعفات الصحية أو الوفاة في حالات تحتاج إلى تدخل عاجل.
إن معالجة هذه الأزمة تتطلب إعادة النظر في توزيع الموارد الصحية وتفعيل دور الجماعات المحلية في تنسيق الخدمات، بالإضافة إلى ضمان صيانة المعدات الطبية، وتوفير الوقود والسائقين لسيارات الإسعاف، واستغلال المروحيات بطريقة فعالة بعيدا عن الطابع الرمزي أو المناسباتي. فقط من خلال تعزيز التنسيق وتفعيل الآليات الميدانية يمكن للمغرب أن يقلص الفجوة بين ما يقدمه من إمكانيات حديثة على الصعيد الوطني وبين المعاناة اليومية لسكان العالم القروي، ليصبح التقدم والحداثة ملموسين لكل المواطنين، وليس فقط في المدن الكبرى.
التعليقات مغلقة.