سعيد حجي يكتب: “كل صفحة أفتحها، كل حوار أقرؤه، كل مشهد يتكرر، هو محاولة لإعادة تشكيل ذاتي المتناثرة.

الانتفاضة // سعيد حجي

إن ميلي للقراءة والكتابة لم يكن يوما بحثا عن براعة سردية، ولم ينبت من طموح الوصول إلى مجد أدبي يتصدر العناوين أو يتردد على الألسن.

لقد كان الميل ذاته فعل نجاة، ممارسة داخلية لتدبير الهشاشة، أسلوبا خاصا للتفاوض مع العزلة، ومع الحافة النفسية التي يقترب منها العازب حين تخذله التفاصيل اليومية، وحين لا تعود الأجساد قادرة على إقناع الروح بأنها من لحم ودم، وحين يتكثف الوجود في غرفة بأربعة جدران ونافذة واحدة لا تفتح إلا على الذكريات…
العزوبة، بتركيبتها المعقدة، ليست شأنا اجتماعيا يمكن توصيفه من الخارج، هو شيفرة داخلية، نوع من التوازن المكسور، اختلال في معنى التواطؤ ، وانقطاع في الأنساق العاطفية. إنك حين تكون عازبا، تعيش حالة من التوازي الوجودي، لا أنت في الداخل تماما ولا في الخارج، لا تملك يقين الشراكة ولا متعة الانفصال الصافي. بل تسكن ضبابا كثيفا بين الحاجات المؤجلة والرغبات التي تتكسر قبل أن تكتمل…
وفي خضم هذا الركام الشعوري، أجد نفسي أهرع نحو الكتب، لا بدافع الاستهلاك الثقافي ولا لمراكمة رأسمال رمزي، بل لأسباب أخرى أكثر تعقيدا، أكثر عمقا ، أكثر انكسارا. النساء اللواتي أجدهن في الروايات لا يخذلن، لا يصبحن عبئا يوميا، لا يتحولن إلى مرايا تُظهر قبح الذات. إنهن كيانات لغوية شفافة، يملكن من العمق ما لا تملكه كثير من العلاقات الفعلية، ومن الحضور ما لا تمنحه الحياة الواقعية بسطحيتها المتسارعة…
أجد في كل رواية علاقة مؤجلة، بابا خلفيا أهرب عبره من ضغط التوقعات…
امرأة تسكن فقرة، واخرى تتنفس في الهامش، وثالثة تضحك بين فاصلتين. أتبادل معهن الأسرار، ولا أشعر بالخوف من انكشاف القلب، لأنهن خاليات من نوايا واقعية، ولأن التخييل هو الحبل الوحيد المتين الذي أربط به أطراف روحي…
صرت، مع الوقت، أعيش داخل الرواية، لا باعتبارها نصا مكتوبا، بل باعتبارها محيطا نفسيا قادرا على احتوائي.

كل صفحة أفتحها، كل حوار أقرؤه، كل مشهد يتكرر، هو محاولة لإعادة تشكيل ذاتي المتناثرة.

الشخصية التي تنهار في منتصف الرواية، أو تلك التي تصمد حتى النهاية، كلّها تمتلك شيئا مني، أو تمنحني شيئا أفتقده…
وهكذا، شيئا فشيئا، بدأت أماهي بين ذاتي وذوات الكتب.
لم يعد الفارق واضحا بيني وبين بطل الرواية، بين شعوري وشعوره، بين ما أعيشه فعلا وما أتخيله بكثافة. أصبحت المأساة التي يرويها كاتب فرنسي في القرن التاسع عشر تشبه وجعي، وأصبحت المرأة التي تموت في الصفحة الأخيرة تترك في داخلي ثقب فقْد حقيقي…
ان القراءة، بهذا المعنى، تتحول إلى ترميم داخلي، إلى نوع من البناء الموازي لما يهدمه الواقع. إنها تجميل للكسور، تحالف صامت مع عالم بديل، تصعيد رمزي للحرمان، وممارسة تأملية تضع الذات في حالة انخطاف دائم…
وقد لمح إلى هذه القوة المبطّنة للقراءة الفيلسوف إميل سيوران، حين أشار إلى أن الهروب إلى الكتب ليس بحثا عن الحقيقة أحيانا ، بل تفاد من السقوط الحر في العدم. الكتب ليست خريطة طريق، بل هي مظلة وهمية تمنعك من الارتطام، تمنحك ثقة مؤقتة في الطيران…
إنني أكتب، لا لأنني أملك شيئا عظيما لأقوله، بل لأنني أريد تثبيت نفسي في مشهد الحياة. أكتب لأن الكلمات، حين تصطف بشكل معين، تصبح بديلا عن الانهيار.
كل ما أملكه، اذن، لا يتعدى رفوفا من الورق، وعلاقات افتراضية مع شخصيات خيالية، وساعات طويلة أقضيها في صمت مكثف، بينما رأسي يحاول أن يظل مرفوعا في وجه خيبة غير مرئية…
قد تكون العزوبة مقاومة خفية لشكل الحب الاستهلاكي في زمن التسرع، وقد تكون طريقة وحيدة لحماية ذات مثقلة بالحساسية.

لكن بالنسبة لي، هي المعبر الذي يجعلني أكثر وفاء للخيال، أكثر قربا من اللغة، وأكثر تماسّا مع تلك الطبقة العميقة من الشعور التي لا تُرى، ولا تُشرح، ولا تُنسى….

التعليقات مغلقة.