الحركة الشعبية.. مسار طويل من النضال يصطدم دائما بآفة “صحافتها”

الإنتفاضة  // عبد النبي الشراط 

في ثمانينيات القرن الماضي قُدر لي أن أتعرف عن قرب عن “مسار حزب الحركة الشعبية” التي تأسست داخل السجون، وليس كما يقول الكثيرون من الذين لا يفقهون شيئا في التاريخ والسياسة، بأن الحركة الشعبية حزب إداري.

في مؤتمر حزب الشورى والاستقلال المنعقد سنة 1982، بالدار البيضاء وقف الزعيم التاريخي للحركة الشعبية المحجوبي أحرضان مقدما امتنانه للشوريين قائلا: حينما كان الاضطهاد الحزبي سيد الموقف في المغرب، وكانت التوجهات توحي بأن “الحزب الوحيد” هو الذي يمكنه أن يحكم المغرب، كانت جريدة الرأي العام لسان حزب الشورى والاستقلال هي الناطقة باسمنا حيث كان القادة المؤسسون للحركة الشعبية داخل السجون، وقد يكون هذا موضوع آخر نتناوله في مقال لاحق.

يهمنا الحديث الآن عن “صحافة الحركة الشعبية” ومأساتها المتكررة دوما، حيث لاحظ للحزب مع صحافته.

في منتصف الثمانينيات وعلى عهد المدير مولاي علي العلوي رحمه الله، كان منصب رئيس التحرير (ربما) يشغله صحفي عراقي، وكان هذا الصحفي مسؤولا أيضا عن صفحة الأقاليم، وذات يوم نشرت جريدة “الحركة” مراسلة مطولة عن مدينة القنيطرة غطت صفحة كاملة تقريبا، وكان موضوع المراسلة يدور حول شركات أحد النواب البرلمانيين وتضمن المقال/ المراسلة “انتقادات حادة” لشركات البرلماني ومصائبها، “كما ورد في المقال” ولم يكن البرلماني إلا حركيا.

وكان عدد الجريدة قدم تم تسويقه من قبل شركة التوزيع، واضطرت لجمعه من القنيطرة على الأقل، بطلب من إدارة الحزب، ولست أدري ماذا جرى بعد ذلك…

في نهاية التسعينيات كلف الحزب صحفي سوداني بمهمة رئيس التحرير، وابتدأت قصة أخرى من مأساة صحافة الحركة الشعبية، وأصبحت الصفحة الأولى ملكا ل “الحركة الشعبية لتحرير السودان” التي كان يرأسها جون قرنق،(قبل أن يكون هناك شيء اسمه دولة جنوب السودان) ولم تكن جريدة الحركة طيلة شهور ناطقة باسم الحركة الشعبية المغربية بل كانت لسان حال تنظيم “الحركة الشعبية لتحرير السودان” .(كنت نشرت حينئذ مقال من ثلاث حلقات عن هذا الموضوع في جريدة الوطن التي كنت أديرها) وانتهت القصة باستقالة رئيس التحرير غير المغربي، لأن الجريدة كانت ناطقة باسم حركة جون قرنق.

منذ ذلك الزمن غابت عني الحركة/ الجريدة، وغابت عني أخبار حزبها، ومؤخرا بدأت أتصفح بعض أعداد “جريدة الحركة” فاكتشفت أن شخصا واحدا يسيطر على صفحاتها بالكامل تقريبا، ويحجز ل”قلمه” ثلاثة أعمدة في الصفحة الأولى، يوقع عمودا باسم (أبو صلالة، وعمودا آخر باسم أبو نعيم، والثالث بالإسمين معا)، فأضحت جريدة “الحركة” ناطقة باسم “أبو…” ولم تعد ناطقة باسم الهيئة التي تصرف عليها أموالا.

وأنا لا أفهم لماذا يُعين حزب الحركة الشعبية رؤساء تحرير من الشرق، كما كان في السابق، كما لا أفهم لماذا يصر هذا الحزب العريق على تٓعيين رؤساء تحرير لا تربطهم بالمهنة إلا علاقة الإسم والجوار والقرابة الخ…

في العدد الأخير الذي اطلعت عليه ويحمل رقم 11223 قرأت ما يمكن تسميته بأم العجائب، فلأول مرة بحياتي المهنية أقرأ بلاغا للمكتب السياسي لحزب ما، موقع من الأعلى باسم (صحفي) ولا أعلم هل هذا الصحفي هو صاحبنا “أبو…” أم صحافيا آخر، لا يهم هذا الأمر، فبلاغات الأحزاب السياسية توقع بأسماء أمنائها العامين فقط، أو من ينتدبون لذلك في حالة غياب الأمين العام، لكن أن نقرأ بيانا للمكتب السياسي موقعا من الأسفل باسم “أمين عام الحزب” بينما نقرأ في الأعلى اسم (صحفي) أو ما يشبهه… فذلك قمة العبث بمهنة صاحبة الجلالة.

الحقيقة أنا لا تربطني أية علاقة بهذا الحزب، لا أيديولوجيا ولا فكريا ولا تنظيميا، بالرغم من أن قائد الحركة الأول كانت تربطني به علاقة جيدة، خاصة عندما حصل انشقاق داخل الجسم الحركي وأسس لحاله حزب جديد سماه “الحركة الوطنية الشعبية” وحتى بعدما التأم الحركيون من جديد، وعاد القائد لموقعه، كنت قبل ذلك شاركت في ندوة نظمت خصيصا للدفاع عن المحجوبي أحرضان، بعد تعيينه من قبل الملك الحسن الثاني رحمهما الله معا، في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، فقامت قيامة اليساريين و”التقدميين” للتنديد بهذا التعيين، وكانت مداخلتي في تلك الندوة تصب في الاتجاه المخالف للتقدميين واليساريين وغيرهم الذين كانوا يشككون بوطنية الزعيم أحرضان.

وبتطرقي لهذا الموضوع أكون قد تملكتني “الغيرة” فقط على ما آلت إليه أوضاع الصحافة بشكل عام، وبطبيعة الحال صحافة الحركة الشعبية جزء من هذه الصحافة، بحمولتها التاريخية، ونضالها، وجهاد مؤسسيها، ولا شيء آخر.

قد يكون “أبو…” مدعوما أو مسنودا من جهة ما أو شخص ما داخل الحزب، وهذه من مساوئ الصحافة الحزبية، حيث يتحمل الحزب وصحافة الحزب كوارث الدنيا والآخرة، لمجرد أن هذا الشخص قريب من شخص آخر وضعه على رأس الهرم ب”القوة” ـ أية قوةـ وفي مقدمتها قوة المال، ليلخبط على الحزب صحافته وتنشر هذه الصحافة المربعات بدل الكلمات، كما لاحظت نشر صور متكررة لأحد القياديين الحزبيين حتى بدون أسباب أو موجبات، علما أن هذا الشخص المحسوب على المكتب السياسي للحزب، يبدو غاضبا من زمان على الأمانة العامة لحزبه، حتى أنه لم يعد يشارك في اجتماعات المكتب السياسي، ولا يهتم لشؤون حزبه، وقد يكون في طريقه إلى “التطليق” من حزب الحركة الشعبية.

تبدو علاقة ثابته بين شخصية “أبو…” وشخصية رجل الأعمال الذي تنشر الصحيفة صوره على صفحاتها بدون أسباب.

إنها مأساة حقا…

“والعاقبة للمتقين”

الرباط:2025/11/21

——————-

تعليق الصورة:

عبد النبي الشراط يتوسط محمد الفاضلي وعقا الغازي رحمه الله،

ثم المجوبي أحرضان رحمه الله وآخرون.

مكان التقاط الصورة: قبيلة آيت يوسي نواحي مدينة صفرو.

شتاء سنة 1992.

التعليقات مغلقة.