الانتفاضة // إلهام أوكادير
في قلب الدار البيضاء، تحولت القمة المالية الإفريقية في دورتها الخامسة إلى مساحة فكرية نابضة، حيث أجمع محافظوا البنوك المركزية الإفريقية على أن مستقبل القارة لم يعد يحتمل الانتظار، وأن بوابة عبورها نحو اقتصاد مستقل ومزدهر كما نتخيله، لن يمرّ سوى عبر الذكاء الاصطناعي والابتكار المالي.
من منصة النقاش التي جمعت رموز القطاع المالي بإفريقيا، برز صوت محافظ البنك المركزي للكونغو، “أندريه واميسو”، داعيًا إلى ما يشبه “النهضة الرقمية الإفريقية”، حيث شدد و بلهجة واضحة تتحدى صوت اليأس الذي لطالما دوّى صداه في التراب الافريقي، على حقيقة كون اعتماد الذكاء الاصطناعي اليوم وعلى نطاق واسع، بات ضرورة وجودية أكثر منه خيارًا مطروحا، معتبرًا أنه “حان الوقت لتملك إفريقيا بياناتها الخاصة بها، وتحرير قدراتها الصناعية من القيود البنيوية التي كبّلتها لعقود”، مشيرا لأوضاع التبعية التي لطالما طبعت الاقتصاد الإفريقي وتعاملاته المالية.
وامتد طرحه إلى رؤية عملية تؤمن بأن الشباب الإفريقي، بذكائه وطاقته، يمتلك مفاتيح هذا التحول دون أدنى شكّ إذا ما تم العمل الجادّ على ذلك، وأن التكنولوجيا يمكن أن تُعيد رسم ملامح الزراعة، والصناعة، والخدمات المالية، على نحو يعزز الإنتاجية ويكرس الاستقلال الاقتصادي للقارة، وذلك بالنظر الطاقات الشابة والمواهب الافريقية في شتى الميادين المرتبطة بالتكنولوجيا والرقمنة، والتي اتخدت سعيها إلى بلدان أخرى عبدت طريقها بما يلزم لتلمع في سماء لا تخصها في الأصل، في غياب لمبادرات فعلية قارية قادرة على استيعاب هاته الادمغة ومدى تطورها ورغبتها في بسط افكارها النيرة، التي يمكن ان تجعل من افريقيا قارة استثنائية لا مجرد منافس على أقصى تقدير.
أما من جانبه، فقد دعا محافظ البنك المركزي لدول غرب إفريقيا، “جان-كلود كاسي برو”، إلى ضرورة إعادة التعريف بالأدوار المنوطة بالبنوك في الزمن الجديد، حيث لم يعد الادخار التقليدي كافيًا لمجاراة التحولات العالمية، وحيث أصبح لزامًا على المؤسسات المالية أن تتبنى الإبداع وتعبئة الموارد المحلية لتمويل التنمية، مع اليقظة إزاء تداعيات التضخم العالمي على الاقتصادات الإفريقية الهشة.
أما محافظ البنك المركزي لأوغندا، “مايكل أتنيجي-إيغو”، فقد سلط الضوء على تكتيك الابتكار المالي كرافعة حقيقية للاندماج الاقتصادي، مشيرًا إلى أهمية التكنولوجيا في تمكين المقاولات الصغيرة والمتوسطة من الولوج إلى التمويل الأخضر والمستدام، عبر أدوات دقيقة كخوارزميات إدارة المخاطر وصناديق الضمان، وغيرها من الأنظمة الرقمية التي تدعم التحليل وتحديد طرق الاستثمار الناجحة، و تجنب الأخطاء التي من شأنها أن تؤدي بحياة المقاولات الصغرى والمتوسطة قبل أن تبلغ أهدافها الاستثمارية، وهو الأمر الذي اصبح اليوم متاحاً في العديد من الدول والميادين بفضل تقدم التكنولوجيا و صياغة الانظمة تحت الطلب.
فهذه القمة، التي نظمتها مجموعة “جون أفريك ميديا” بشراكة مع مؤسسة التمويل الدولية ودعم من مؤسسات مالية مغربية وإفريقية، اختارت شعارًا لافتًا: “رأسمالنا قوتنا: فلنحرر السيادة المالية لإفريقيا”. وهو الثعلر الذي خرج أخيراص و بشكل علني، رغبة افريقيا في التحرر والاستقلال المالي، باعتماد ما تتوفر عليه من امكانيات محلية، سيراً نحو تحرر أعمق، بالنظر لاهمية التحرر والاستقلال المالي في تعبيد الطريق نحو مجالات اخرى.
أما بخصوص التفاصيل الشكلية لهذا الحدث القاري، فقد نجحت القمة في الجمع بين أكثر من 1250 مشاركًا من كبار الفاعلين في المنظومة المالية الإفريقية، من مصرفيين وخبراء ومستثمرين ومبتكرين في التكنولوجيا المالية، لتبادل الرؤى حول مستقبل القارة المالي في ظل العواصف الاقتصادية العالمية.
كما توزعت توزعت جلساتها على محاور متعددة، انطلقت من الاستقرار المالي إلى التمويل المستدام وأسواق الرساميل، حيث ظل الهاجس الأكبر المطروح واحدًا وهو: كيف يمكن لإفريقيا أن تصوغ مستقبلها الاقتصادي بأدواتها الخاصة؟، وأن تجعل من الذكاء الاصطناعي جسرا يعيد لها مكانتها في خريطة الاقتصاد العالمي؟
التعليقات مغلقة.