الانتفاضة
“يقدّم عبد الإله بلقزيز في هذا الكتيّب قراءة مركّزة ومضيئة للمشروع الفكري الضخم الذي أنجزه المفكّر المغربي محمد عابد الجابري تحت عنوان «نقد العقل العربي». هذا المشروع الذي شكّل واحداً من أهم الأعمال الفلسفية في الفكر العربي الحديث، سعى إلى تفكيك بنية العقل العربي في مستوياته النظرية والعملية، وإلى الكشف عن العوائق المعرفية التي حالت دون تطوّر الفكر العربي وانخراطه في الحداثة.
يهدف بلقزيز من خلال هذا العمل إلى تبسيط وشرح الأفق المعرفي والمنهجي لمشروع الجابري، مبرزاً خلفياته، منطلقاته، منهجه، أدواته المفهومية، وحدوده أيضاً. إنه كتاب تعريفي وتحليلي في آنٍ واحد، يجمع بين التقديم العام والمناقشة الفكرية الهادئة.
المحاور الرئيسية
1. الخلفية المعرفية والمنهجية للمشروع
يضع بلقزيز القارئ في سياق الفكر العربي المعاصر الذي ظهر فيه مشروع الجابري، حيث كانت الأسئلة الكبرى تتعلق بـ النهضة، التراث، والحداثة. في هذا الإطار، لم يكتفِ الجابري بنقد مظاهر التخلف أو الجمود الفكري، بل سعى إلى نقد البنية العميقة للعقل العربي الذي أنتج هذه المظاهر.
اعتمد الجابري على أدوات الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) كما طوّرها فلاسفة مثل غاستون باشلار، ميشيل فوكو، ولويس ألتوسير. فمارس نوعاً من القطيعة المعرفية مع التراث، محاولاً إعادة بنائه على أسس عقلانية نقدية.
يقول بلقزيز إن الجابري لم يكن مجرد شارح للتراث، بل مفكّر أعاد تنظيم العلاقة بين العرب وموروثهم الفكري عبر مساءلة آليات اشتغاله، ومصادره، ونظامه المعرفي الداخلي.
2. المستوى الأول: نقد العقل النظري العربي
يمثل هذا المستوى الكتابين:
تكوين العقل العربي (1984)
بنية العقل العربي (1986)
في هذين العملين ركّز الجابري على آليات إنتاج المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية، أي على بنية التفكير النظري الذي شكّل علوم الكلام والفقه والفلسفة.
قسّم الجابري العقل العربي إلى ثلاثة نظم معرفية:
العقل البياني: يقوم على اللغة والنص والقياس؛ يمثله الفقهاء والمفسّرون.
العقل العرفاني (البرهاني): يعتمد على الإشراق والحدس والباطن؛ يمثله المتصوفة والفلاسفة الإشراقيون.
العقل البرهاني: يستند إلى المنطق والعقل والتجربة؛ مثّله فلاسفة الأندلس والمغرب (ابن رشد نموذجاً).
يرى بلقزيز أن الجابري ميّز بين هذه الأنظمة ليُظهر أن هيمنة النظام البياني والعرفاني على الفكر العربي حالت دون تطوّر العقل البرهاني النقدي الذي هو شرط النهضة.
3. المستوى الثاني: نقد العقل العملي العربي
ويمثل هذا المستوى الكتابين:
العقل السياسي العربي (1990)
العقل الأخلاقي العربي (2001)
هنا ينتقل الجابري من الحقول المعرفية إلى الحقول العملية: السياسة والأخلاق.
يرى أن العقل السياسي العربي تشكّل في بيئة يغلب عليها الطابع القبلي والغنائمي، حيث كانت السلطة تُؤسّس على القرابة والغلبة لا على الشرعية والمؤسسات. هذه البنية الموروثة جعلت السياسة العربية أسيرة لمنطق القوة والمصلحة، لا لمنطق الدولة والعقل.
أما في العقل الأخلاقي العربي، فقد حلّل الجابري منظومة القيم التي وجّهت السلوك العربي والإسلامي، مركّزاً على التداخل بين الدين والأخلاق والسياسة. ورأى أن الأخلاق العربية كانت غالباً قِيَماً جماعية مستمدة من العصبية والقبيلة، وليست قيمًا فردية أو عقلانية.
بلقزيز يبيّن أن الجابري لم يكن يصدر في هذه التحليلات عن رؤية ثقافوية مغلقة، بل عن همّ إصلاحي نقدي يرمي إلى تأسيس حداثة عربية على أسس عقلانية.
4. الأدوات المفهومية والرهانات الفكرية
يشير بلقزيز إلى أن الجابري استخدم مفاهيم دقيقة مثل:
القطيعة المعرفية
العقلانية النقدية
البنية المعرفية
الإبستمي (épistémè)
العقل المستقيل
هذه المفاهيم مكّنته من إعادة قراءة التراث العربي الإسلامي من داخله، بلغة علمية لا خطابية، مع الحفاظ على انتمائه الحضاري إليه.
لكن بلقزيز لا يغفل عن الإشارة إلى أن مشروع الجابري لم يكن خالياً من حدود، أبرزها اعتماده المفرط أحياناً على التقسيم الثلاثي للعقل العربي، وتغييبه لبعض الأصوات الفكرية غير المندرجة ضمن تلك البنية.
خلاصة ختامية
يُعدّ كتاب «محمد عابد الجابري ونقد العقل العربي» بمثابة مدخل فكري مبسّط لفهم أحد أضخم المشاريع الفلسفية في الفكر العربي المعاصر.
يُظهر عبد الإله بلقزيز الجابري كمفكر حاول بناء عقل عربي نقدي جديد، يستلهم من التراث روحه العقلانية، ويتحرّر من بنياته التقليدية التي كبّلته قروناً.
فالكتاب هو تحية فكرية لمشروع التنوير العربي الذي سعى الجابري إلى إطلاقه من داخل الثقافة العربية نفسها، لا من خارجها.
نقد العقل عند الجابري لم يكن هدماً للتراث، بل تأسيساً لعلاقة جديدة معه: علاقة النقد بدل التقديس، والفهم بدل التكرار.
التعليقات مغلقة.