الانتفاضة // مولاي التهامي بهطاط
توضيحان ضروريان بداية:
– القول بأن “جيل Z” ظاهرة نضالية غير مسبوقة في تاريخ المغرب، هو تزوير للواقع وافتراء على التاريخ.
فشباب المغرب دفع ثمن نضاله غاليا في كل المراحل، منذ الاستقلال، وراجعوا خلاصات مجلس حقوق الإنسان، وهيئة الإنصاف والمصالحة..
لا يستطيع أحد ان يدفن الماضي هكذا بكل بساطة، لأن تلك الاجيال ناضلت حين كان الثمن يصل إلى الموت أو التغييب القسري، حتى أن بعض ضحايا تلك العهود كانت تتم تحية العلم يوميا على رفاتهم المدفونة تحت الأقدام في إحدى ثكنات الدار البيضاء..
لا أحد يستطيع ان ينسى أن التواصل يومها كان يتم عن طريق طبع ونشر المناشير مع ما يحمله ذلك من مخاطر، وليس عبر الدعوات “المجهولة” في مواقع التواصل الاجتماعي.. ويكفي أن بعض المناضلين يومها لم يكونوا يخلعون ثياب الشتاء حتى في عز الصيف خوفا من “خرج ولم يعد”..
– الادعاء بأن “جيل Z” كفر بالسياسة والسياسيين، هو جهل مركب، لأن ما يفعله المحتجون هو السياسة عينها.
فهل المطالبة بتحسين خدمات القطاع الصحي، والارتقاء بالتعليم العمومي، وتوفير مناصب الشغل للعاطلين، “فن تشكيلي”؟
ثم ألا ينتمي هؤلاء -أو بعضهم على الأقل- إلى تيارات “إيديولوجية” لها تعبيرات سياسية؟
ولندخل الآن إلى صلب الموضوع:
فما حدث خلال نهاية الاسبوع الماضي وبداية الاسبوع الجاري، أسقط كثيرا من المسلمات، وأكد مجموعة من الحقائق..
أكبر مسلمة تم إسقاطها هي تلك المتعلقة بـ”نهاية التاريخ”، فقد صدق البعض أن “الشعب دخل سوق راسو” واستسلم لـ”المكتوب”، وأنه صار في مقدور الماسكين بزمام الأمور التمدد في جميع الاتجاهات، كما تجلى ذلك في الخرجة التلفزيونية “البئيسة” لرئيس الحكومة، وفي “تحنقيز” بعض المراهقات والمراهقين “المنعم عليهم” بالمقاعد البرلمانية والحقائب الوزارية، فقط لأنهم يسبحون بحمد الـ”The Boss”، ولا مؤهل لهم غير ذلك.
لقد كتبت قبل أكثر من ربع قرن محذرا من مخاطر “زواج كاثوليكي”، بين جزء من السلطة لا يؤمن بالديموقراطية، ولا بالحرية ولا بحقوق الإنسان، وجزء من “النخبة” – إن صح تسميتها كذلك – لا يهمه سوى ما سيؤول إليه من غنائم مادية، حتى لو تطلب منه ذلك ليس فقط الزحف على البطون، بل نزع السراويل..
وهو ما تأكد مجددا هذه الأيام، حيث قوبلت احتجاجات طبيعية وعادية، تحدث حتى في أحسن الدول، بالعنف المبالغ فيه في بلد يدعي مسؤولوه أنه ديموقراطي حتى النخاع، وأن الديموقراطية “شاطت عليه حتى فرقها بالمغارف”.
فهل كانت “الدولة” تتوقع أن تجني من الشوك العنب؟
لقد كتبت مرارا أن الشعوب تخضع هي ايضا لقوانين الفيزياء التي لا تقبل الفراغ..
فالدولة التي أجهزت على الصحافة الحرة، وصادرت حرية التعبير بشكل نهائي فوجئت بمواقع التواصل الاجتماعي التي وفرت مساحات واسعة للتعبير عن الرأي بطريقة أكثر صراحة وحدة، ولذلك توعد “شيخ الطريقة” قبل أيام بأنه سيحارب “البودكاست”، لأن “الدولة” – على ما يبدو – لم تستطع ترويض أو شراء جميع الناشطين فيه..
والدولة التي حاربت العمل الجمعوي الحقيقي، حتى أن بعض رجال السلطة دخلوا في سباق لمراكمة أكبر عدد من الوصولات النهائية المحجوبة، كانت تعتقد أن جمعيات ماءها ومرعاها التي تستعمل كل الآلات الإيقاعية المعروفة يمكن تكون زبدا بديلا يغني عما ينفع الناس ويمكث في الأرض..
والدولة التي حاربت العمل النقابي، وسمحت بسيطرة شيوخ بلغوا أرذل العمر على جميع المركزيات تقريبا، فضلا عن ربط العلف بالانبطاح، وجدت نفسها في مواجهة التنسيقيات…
والدولة التي حاربت الأحزاب، وحولتها إلى دكاكين تشتغل فقط في موسم “سيدي الانتخاب”، غاب عنها أن الأرض تدور، وأن الثورة المعلوماتية التي عرفها العالم في العقدين الأخيرين، لم يعد معها مكان لاساليب وممارسات الماضي.
سيأتي يوم ما حتما في المستقبل، وتنكشف فيه حقائق يوم 8 شتنبر 2021، وسيتساءل الناس هل كان “التحكم” في الخريطة الانتخابية يستحق أو يمكن أن يبرر ما يحدث اليوم، وما يسجله الجميع عن الاحتقان الذي نجحت الحكومة في دفعه نحو الانفجار؟
وأختم ببعض الملاحظات الضرورية:
– أتابع بعض التعليقات الساخنة الآن وفيها شجب للانفلات الذي عرفته بعض المدن، لكنه شجب ناقص، لأن المفروض طرح السؤال أولا حول من المسؤول عن وصول الأمور إلى ما وصلت إليه؟
– يقترح البعض حلولا سوريالية تكشف فقط حجم غياب الثقافة السياسة لدى كثير من “المفكرين”..
يغيب عن كثيرين أن الأهم الحرص على “الدستور” رغم علاته الكثيرة… أما كلام المقاهي الذي يعتقد أن “الدولة” يمكن أن تفعل ما تريد استجابة لـ “ما يطلبه المدونون”، فالمفروض أن يتنزه عنه العقلاء..
فاستقالة أو إقالة رئيس الحكومة، هل تعني تعيين خلف له من خارج الحزب الذي حصل على الرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة؟
– يتحدث البعض عن حلول “سياسية” والحال أنه لا يوجد في الحكومة الحالية سياسي واحد، بل حتى البرلمان بغرفتيه.. من بقي فيه من السياسيين؟
أما الجماعات الترابية.. فليس مستبعدا أن يتم تحويل تسمية كثير منها إلى “Association de malfaiteurs”..
– هل ستفهم الدولة أن الرهان على النكافات والطبالة وحملة المباخر الذين يطوفون في مواقع التواصل بقميص “تازة قبل غززة”، لن يقود سوى إلى البيت الشعري الشهير:
إذا كان الغراب دليل قوم.. طاف بهم على جيف الكلاب؟
– إذا كان للدولة بقية حكماء فهذا أوان “الإفراج عنهم”، لأنه سيكون من العمى والعمه الاعتقاد بأن مشاهد تفريق الوقفات السلمية في بداية الحراك، والاعتقالات العشوائية، واستعمال العصا الغليظة دون مبرر، ليس له دور في تأجيج الوضع وانفلاته..
– أين اختفى لحسن السعدي وزميلته ياسمين لمغور، وغيرهما من أشباههما ونظائرهما من مداحي “عزيزهم”؟
ألا يفترض أن يخرج كاتب الدولة للرقص والغناء ومشاركة شباب المغرب فرحته؟
وألا يفترض أن تخرج النائبة المدللة لرش “فلي طوكس” على الجراثيم التي تشوش على إنجازات ولي نعمتها؟
– أين غاب الناطق الرسمي الذي تعود على عقد ندوات صحفية أمام كراسي فارغة؟
وأين غاب وزير “الإعلام” الذي لم يسبق له في حياته أن كتب مقالا حتى في مدح “محبوبه” طوطو؟
إذا لم تتواصل الحكومة في هذه اللحظة الحرجة، فمتى ستتواصل، وإلى متى ستظل تعتمد على وكالات الإشهار والعلاقات العامة، وعلى صحافة التشهير للقيام بهذه المهمة؟
اللهم احفظ الوطن من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن..
التعليقات مغلقة.