الانتفاضة // مصطفى المنوزي
مدخل:
في نقد إساءة القراءة – من التلقي الانفعالي إلى القراءة الممكنِنة
ليست كل إساءة قراءة ناتجة عن سوء نية أو جهل بسيط، بل كثيرًا ما تكون نتاجًا بنيويًا لتوزيع غير عادل للمعرفة، ولعلاقات رمزية غير متكافئة.
فالنصوص لا تُفهم كما كُتبت، بل كما يُتوقّع أن تُفهم، أو كما يُراد لها أن تُؤوَّل. ولهذا تصبح القراءة فعلًا سياسيًا ومعرفيًا في آن، لأنها تقع في قلب الصراع على المعنى والهيمنة.
ولأن كل قارئ يدخل النص مُثقلًا بموقعه الاجتماعي ومرجعيته الثقافية، فإن أغلب القراءات ليست محايدة، بل مُوجَّهة، أو مُعطوبة، أو مُؤدلجة.
ولذلك فإن ما نسميه “سوء الفهم” ليس دائمًا انحرافًا عفويًا، بل أحيانًا يكون مقصودًا ومُهندَسًا.
1. أربع مقاربات قرائية لفهم النصوص
لفهم طبيعة إساءة القراءة، لا بد من تمييز أربعة أنماط قرائية تتداخل أحيانًا، لكنها تنتمي إلى منطلقات منهجية مختلفة:
● القراءة التفكيكية
تقوم على زعزعة تماسك النص وكشف تناقضاته الداخلية، لا بحثًا عن المعنى، بل لتقويض سلطته.
كما عند جاك دريدا، حين اعتبر أن النص يحمل بذور انهياره في ذاته.
“ما لا يُقال في النص لا يقل أهمية عما يُقال.” – دريدا
● القراءة التحويلية
تنقل القارئ من موقع التلقي إلى موقع الفعل. فهي لا تكتفي بتفكيك النص، بل تُعيد توظيفه من أجل تحرير المعنى وتحويل الوعي، بما يُقوّي الفاعلية النقدية، كما في منهج ميشيل فوكو حول الخطاب كأداة سلطة.
● القراءة التحليلية
تُركّز على عناصر النص الظاهرة: اللغة، البنية، المفاهيم، الرموز، والسياق، اعتمادًا على أدوات سيميولوجية ولسانية وسوسيولوجية، على نحو ما نلمسه في أعمال رولان بارت وبيير بورديو.
● القراءة التأويلية
تتجاوز النص نحو أفق الفهم، مستندة إلى تفاعل نية الكاتب وأفق القارئ، كما في هيرمينوطيقا بول ريكور، التي ترى أن الفهم لا يتحقق إلا عبر تأويل متعدد الطبقات.
“الفهم دائمًا فعل تأويل، لأنه يعيد بناء ما لا يُقال مباشرة.” – ريكور
2. إساءة القراءة كآلية رمزية للهيمنة
في السياقات السلطوية، لا يُترك معنى النص مفتوحًا أمام القارئ، بل يُوجَّه عبر الإعلام، والمدرسة، والدين، وأدوات التأطير الأيديولوجي. وهكذا يُنتج سوء الفهم بوصفه سياسة لغوية وثقافية.
لكن الأخطر من ذلك، هو أن تتكرّس داخل المجتمع نفسه مفارقة حادة:
قارئ لا يقرأ، مقابل قارئ يقرأ باسمه، ويفسّر عنه، ويقرر مكانه داخل المعنى.
في هذه الوضعية، يُقصى الجمهور من فعل الفهم والتأويل، ليحلّ محله “الخبير الرمزي” أو “المثقف المؤطر” أو “الوصي المعرفي”، الذي يحتكر سلطة التفسير. وهذا ما يُنتج علاقة عمودية داخل الحقل الثقافي، تتأسس على:
* التلقي السلبي غير المُمكن،
* والاحتكار الرمزي للقراءة باسم من لا يقرأ،
* والاصطفاف التأويلي داخل سرديات مغلقة.
وهو ما وصفه بيير بورديو بـ”العنف الرمزي المقنّع في سلطة القول المشروع”، حيث تُفرض قراءات معينة على أنها “المعنى الصحيح”.
3. نحو قراءة تحررية مُمكنِنة
القراءة الممكنِنة ليست فقط فعلًا معرفيًا، بل مشروعًا أخلاقيًا — كما يُبين محمد بهضوض في تصوراته لحقوق الإنسان بوصفها ممارسة لأخلاق العناية والتشاركية والإبداع. إن هذا الأفق يستدعي:
* دمقرطة أدوات القراءة والنقد؛
* تكوين قارئ مسؤول، لا مجرد متلقٍ؛
* تفكيك سلطة “الناطق باسم من لا يقرأ”، وإعادة توزيع شرعية التأويل؛
* ربط الفهم بالتحرر، والتأويل بالفعل.
بهذا المعنى، فإن القراءة هي أول تمرين على العدالة، لأنها تُعيد بناء العلاقة بين المعنى والمغزى، وتُنقذ النص من إساءة الفهم، والجمهور من الاغتراب الرمزي.
وكخلاصة :
ليس المهم فقط أن نقرأ، بل كيف نقرأ؟ ومن يقرأ؟ ولماذا تُمنع القراءة الحقيقية في بعض السياقات؟
في ظل تفشي القراءة الموجهة، والخطاب المعلَّب، والتأويل السلطوي للنصوص الحية، يصبح التكوين النقدي للقارئ شرطًا أساسيًا ليس فقط لفهم السرديات، بل لمقاومة تسليع المعنى.
إن التفكير النقدي التوقعي، كأفق منهجي، لا يدعو إلى تعدد القراءات فقط، بل إلى عدالة في شروط الفهم، ونزاهة في من ينتج المعنى، ومسؤولية في من يُمثِّله.
التعليقات مغلقة.