الانتفاضة // حسن المولوع
تابعت، كباقي المهنيين، الحلقة الأخيرة من برنامج الزميل حميد المهدوي، التي استضاف فيها الأستاذ محتات الرقاص، رئيس الفدرالية المغربية لناشري الصحف، للحديث عن مشروع القانون الحكومي القاضي بتعديل هيكلة المجلس الوطني للصحافة.
وبينما كنت قد آثرت الصمت والتوقف عن الخوض في شؤون هذا القطاع، الذي لم يعد يعنيني، تحركت في دواخلي غيرة قديمة على مهنة جريحة، واستفزني منطق الاستسلام الذي تكرر على لسان الضيف.
كنت أرجو أن تكون مداخلة الأستاذ محتات ترجمة لمسؤولية قيادية، تستند إلى خطة واضحة وإجراءات ملموسة في مواجهة مشروع يهدد مصداقية التنظيم الذاتي للمهنة، لكن للأسف، كان التفاعل على شكل “بكائيات” إعلامية، وهو يعلم، كما نعلم جميعا، أن مراثي الشاشات لم ولن تُسقط قانونا، تماما كما لم تُسقط قانون اللجنة المؤقتة، الذي مُرِّر ضدا في إرادة المهنيين، وضد صلب وروح الدستور.
إن المشروع الجديد، الذي تمت المصادقة عليه في المجلس الحكومي، لا يقل خطورة عما سبقه. بل يمكن القول إنه خطوة تصعيدية نحو تفريغ مفهوم التنظيم الذاتي من محتواه، وتحويل المجلس الوطني للصحافة إلى أداة بيد مصالح تجارية ومالية، بدل أن يكون فضاء للإنصاف المهني، والتقنين الأخلاقي، والتمثيلية الديمقراطية.
ما تم التنصيص عليه بخصوص تمثيلية الناشرين يكرّس منطق الإقصاء عبر مقاييس رأسمالية صرفة، إذ يُحتسب من يحقق رقم معاملات يتجاوز 900 مليون سنتيم كأنه يمتلك 20 مقاولة، بينما من لا يتجاوز 299 مليونا يُحتسب كأنه مقاولة يتيمة.
فهذا المنطق المعيب لا يوجد له نظير في أي تجربة ديمقراطية عبر العالم، ولا في أي قانون تنظيمي مهني، ويشكل خرقا صارخا لمبدأ المساواة أمام القانون، المنصوص عليه صراحة في الفصل السادس من دستور المملكة. والأسوأ من ذلك، أن هذا المعيار لا يُوظف فقط لتحديد أحقية التصويت، بل لمنح التمثيلية الكاملة لطرف دون غيره، في مجلس يُفترض فيه أن يمثل تعددية الجسم المهني، لا احتكار السوق الإشهارية.
الفصل 28 من الدستور واضح لا يحتمل التأويل: “تُحدث هيئة للتنظيم الذاتي للصحافة، تُنظم بطريقة ديمقراطية ومستقلة”. فهل في هذا المشروع ذرة ديمقراطية؟ وهل استقلالية التعيين على أساس رقم المعاملات تنسجم مع روح دستور وضعه المغاربة بنضالات وتضحيات؟
إننا أمام مشروع يُمرَّر، مرة أخرى، بنفس الأسلوب الذي مرت به اللجنة المؤقتة: خارج النقاش العمومي، خارج المشاورات، خارج التقييم، خارج المحاسبة. فهل يعقل أن يتم تعديل قانون حساس يخص الولوج إلى مهنة الصحافة وممارسة سلطاتها الأخلاقية والتنظيمية، دون تقييم للأثر، ودون إعداد دراسات، ودون تقديم أي تقرير عن حصيلة اللجنة المؤقتة التي امتدت ولايتها سنتين؟ أين الشفافية التي ينص عليها الفصل 27 من الدستور؟ أين ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي هو جوهر الفصل الأول؟
لا بد من الانتقال من البكائيات إلى الإجراءات، وأولها تفعيل مؤسسات الحكامة الدستورية، كما يخولها الباب الثاني عشر من الدستور. إذ يجب مراسلة الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها رسميا للتحقيق في شبهات تضارب المصالح في اللجنة المؤقتة، ومجلس المنافسة يجب أن يُنبه إلى أن ما يُهيأ الآن هو تكريس لاحتكار تنافسي عبر قانون، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان ينبغي أن يصدر رأيا واضحا حول التهديد الذي يطال التعددية الإعلامية، أحد روافد حرية التعبير.
كما أن المجلس الأعلى للحسابات معني بفتح افتحاص دقيق لمالية المجلس الوطني المنتهية ولايته، ولعمل اللجنة المؤقتة التي لم تصدر أي تقرير للرأي العام، ولم تبرر الاعتمادات التي صُرفت لها. أما رئاسة النيابة العامة، فمسؤولة عن فتح تحقيق قانوني في كل عملية توزيع غير مشروعة لبطائق الصحافة، وعن حالات الامتناع الممنهج عن نشر البيانات المالية والتقارير السنوية التي يفرضها القانون.
بعد ذلك، يجب إحاطة الفرق البرلمانية علما بهذه الخروقات، ودعوتها لتحمل مسؤوليتها كاملة في عدم تمرير هذا المشروع ما لم تتوفر الشروط الدستورية والضمانات الأخلاقية اللازمة. وإذا سُدّت الأبواب جميعها، يبقى اللجوء إلى مسطرة التحكيم الملكي حقًا دستوريا أصيلا، ينص عليه الفصل 42 الذي يجعل الملك ضامن استقلال المؤسسات، لا سيما حين يختل التوازن، وتتغول الإدارة، ويتم تسيير قطاع حساس بمنطق الغلبة والمال والإقصاء.
إن من يسكت الآن، ليس محايدا، بل متواطئٌ بسلبيته. ومن ينتظر أن تأتي العدالة وحدها، لا يفهم شيئا في الدولة ولا في السياسة ولا في التنظيم الذاتي..
الصحافة اليوم أمام لحظة مصيرية: إما أن تنتزع شرعيتها بالقانون والدستور، أو أن يتم القضاء على ما تبقى من استقلالها بيد أبنائها الذين فضلوا البكاء على الفعل، والتبرير على المواجهة، والتصالح مع الرداءة بدل الدفاع عن المهنة.
والأخطر من ذلك، أن ثمة محاولة مفضوحة لتحويل المجلس الوطني للصحافة إلى ما يشبه “الاتحاد العام لمقاولات المغرب”، حيث تُختزل التمثيلية في حجم رأس المال وعدد المستخدمين، ويُمنح القرار لمن يملك الميزانية الأكبر لا للضمير المهني الأصدق. وهذا، بكل وضوح، نقيض لما نادت به الصحافة المغربية منذ عقود.
لذلك، وبما أن الفصل 28 من الدستور لا زال قائما، وبما أن القانون الحالي ينحرف عنه جوهريا، فقد أصبح من الواجب الوطني والمهني إطلاق مسار تأسيس هيئة جديدة مستقلة فعليا للتنظيم الذاتي للصحافة، تُنتخب بحرية، وتُمثل مختلف التعبيرات المهنية، الجهوية، والمستقلة، بعيدا عن منطق الريع والولاءات. هيئة تستمد شرعيتها من الانتخابات لا من لجان معينة، من المهنية لا من المعاملات، من الاستقلال لا من التبعية الإشهارية.
لقد انتهى زمن الإنكار. والمطلوب اليوم ليس البلاغات، بل الملفات، وليس التصريحات، بل المراسلات، وليس التنظير، بل الطعن، والتحرك، والتصعيد القانوني والمؤسساتي.
إن الصمت خيانة، والتخاذل جريمة أخلاقية في حق المهنة، والتواطؤ الناعم أشد فتكا من العداء المباشر.
التعليقات مغلقة.