الانتفاضة
في كل يوم حكاية…. تأملات تلامس الواقع …. قصص قصيرة تعبر عن قضايا المجتمع وتسلط الضوء على بعض الظواهر المخفية والظاهرة ، من خلال سرد للاحداث الواقعية مع بعض التعديلات الفنية التي تفرضها الحبكة ، حكاياتنا للعبرة أكثر منها للاستئناس وتمضية الوقت.. بقلم محمد السعيد مازغ عنوان القصة: “مقطوع من شجرة.. عودة من العدم”. كان إبراهيم شابًا في مقتبل العمر حين اختفى عن أسرته، تاركًا وراءه عالمًا لم يعد يتذكر منه شيئًا. أصابته نوبة من المرض النفسي، جرفته بعيدًا عن مسقط الرأس ، مدينة تنغير التي تقع بالجنوب الشرقي للمغرب، المدينة التي ولد وترعرع فيها، ليجد نفسه تائهًا بين الدروب دون وجهة أو ذاكرة تعيده إلى أصله. مرّت الأيام والشهور، حتى وجد نفسه داخل ضيعة فلاحية في أحد الدواوير النائية بجماعة حربيل ضاحية مراكش . هناك، لم يكن سوى جسد بلا هوية، غريبًا لا يُسأل عن ماضيه ولا يُمنح فرصة لاستعادة إنسانيته. استغل أصحاب الضيعة حالته، فرضوا عليه حياة من العبودية المقنّعة، لا أجر، لا دواء، لا رحمة. كان يعمل تحت الشمس الحارقة، يحرث الأرض، ينقل الحطب، يسقي المزروعات، بينما ينال من الطعام ما يكفيه للبقاء على قيد الحياة، تمامًا كما يُعامل كلب الحراسة. خمس سنوات مضت، لم يسمع فيها أحد عن إبراهيم، ولم يسمع هو صوتًا ينادي باسمه. بدأ جسده يذبل، ووجهه يكسوه الشحوب، لكنه لم يكن يملك سوى الصمت والامتثال. وفي لحظة لم يكن يتوقعها أحد، نشرت صفحة محلية على موقع “فيسبوك” صورة لرجل متهالك الملامح، عيناه تحكيان قصة ضياع، ووجهه يحمل آثار الزمن والقهر. رأى أحد أفراد أسرته الصورة، فتوقف قلبه للحظة، ثم صاح: “إنه إبراهيم!”. انطلقت الأسرة في رحلة البحث، تتبعت الخيوط حتى وصلت إلى مراكش، ثم إلى جماعة حربيل ، وأخيرًا إلى الضيعة المشؤومة. وعندما رأوه، لم يستطيعوا حبس دموعهم. كان شقيقهم هناك، لكن ليس كما كان من قبل. اقتربوا منه بحذر، نادوه باسمه، لكن عيناه كانتا تائهتين، كأنهما تبحثان في ذاكرة ممزقة. لم يترددوا في طلب النجدة، فتواصلوا مع عناصر الدرك الملكي بالجماعة ، التي انتقلت على الفور إلى المكان. عندما رأى رجال الدرك ما حل بإبراهيم، أصابهم الذهول. كيف لإنسان أن يُعامل بهذه القسوة؟ كيف يمكن للقلوب أن تتحجر إلى هذا الحد؟. لم يطل الأمر حتى بدأ التحقيق، وبدأت العدالة تأخذ مجراها. قصة إبراهيم ليست مجرد حادثة فردية، بل هي صرخة في وجه مجتمع تُحركه الأنانية والوصولية وانعدام الحياء. لقد ولّى زمن العبودية، وما عاد هناك مكان لمن يعتقد أن بإمكانه استغلال ضعف الآخرين لمصلحته. الكرامة حق كل إنسان، ولا يحق لأحد أن يسلبه إياه، ومهما طال الظلم، فلا بد للعدل أن يجد طريقه.
التعليقات مغلقة.