الانتفاضة/ د . مولاي علي الخاميري
ربما سيتحول هذا الموضوع إلى هاجس معرفي بصفة دائمة وعامة إن بقي الوضع على نحو ما سنفصل فيه ، وسيطرح نفسه في المستقبل القريب بشتى صور القبح والتشوه الفكري المُلقى على محيا قصيدة الملحون .
مسكين هو فن الملحون ، فيما مضى كنا نعرضه على الأكاديميين ، ونَتَرَجَّى التفاتة منهم ولو كانت بئيسة و سريعة ، ونتوسل منهم قولا منصفا في الموضوع وإن بعجلة واحتشام ، واليوم صرنا نخاف من هذا الاهتمام لما يحمل في طياته من سلب لقصيدة الملحون يفوق ما كنا نعاني منه في وقت التهميش واللامبالاة .
ينبغي أن أوضح شيئا مهما هنا وهو أن اقتحام الأكاديميين لضروب البحث في شعر الملحون كان ولا زال مرحبا به ، ومطلوبا وبوفرة في العدد والعدة الثقافية ، لأنه يمثل الهدف الأسمى ، والمقصد المرجو بلهف منذ القديم لجمهور العاملين والمتلقين لقصيدة الملحون ، ولكن كنا نراه ونتمناه بخلفياته وقواعده وشروطه الفكرية الصحيحة جمعاء التي تُستَوجَب لنمط القصيدة المذكورة في تاريخها ، وبيئاتها ، وأعلامها ، ومضامينها ، وتطورها…… فلا يكفي في مضمار الملحون الجانب المعرفي الصرف مهما غار فيه صاحبه .
هذه الميزة تتقاسمها قصيدة الملحون في كل تجلياتها ، وعلى جميع مستوياتها ، فكما أن شاعر الملحون بالرغم مما قيل ويقال عنه يملك موهبته الخاصة ، الجامعة ما بين شتى أنواع المعارف والمواهب ، فكذلك المنشد يجب أن تتوفر فيه قواعد ومواهب تؤهله لمقام الإنشاد بمعناه الملحوني ، فلا يمكن لأي مغن أو مطرب أن يؤدي قصيدة الملحون ولو برع ما برع في أنواع الطرب الأخرى ، ولننظر اليوم إلى بعض التعسفات الإنشادية المشاهدة ، وسبق لي أن شاهدت واستمعت لأحد أقطاب المجموعات الغنائية ينشد الملحون فما وجدت في إنشاده إلا تكالبا على قصيدة الملحون ، وسلبا لآلياتها الإنشادية ، وطبوعها الفنية ، ظنا منه أنه كما برع في غناء المجموعات سيبرع في إنشاد الملحون ، وهذا من الأخطاء الفادحة التي ترتكب في حق فن الملحون وبنظرة دونية مع الأسف ، فيجب في نظري ألا يُكتفى فيه على صعيد النظم والإنشاد والبحث بذلك التفوق الحاصل في ميادين فنية أخرى ، ثم اقتحام مجال الملحون بالمعايير المستقلة عنه ، وتحكيمِه لها دون الاحتكاك بمعارفه ودروبه الخاصة إلى جانب ما هو عام في الثقافة الإنسانية المساعدة على الفهم والإضافة المطلوبين في كل عمل علمي رصين .
ما أقوله ليس مبالغة ، ولا تَعلٍية فَجَّة لشأن شعر الملحون ، فالوضع ليس كذلك عند النظر المتأني والمتأمل في معنى شعر وقصيدة الملحون فكرا وبناء وأداء ، وأظنه من الأسباب المباشرة التي أدت إلى الهجر الطويل الملاحظ في المسار المتحكم في قصيدة الملحون ، فأبوابها لم تفتح إلا قليلا ، ومن طرف قلة من المولعين الباحثين ، ذوي الخلفيات الأصيلة ، المشهورة والمتمكنة .
سأضرب هنا بعض الأمثلة الملموسة والمجربة ، والقابلة للفشل والنجاح في مجال البحث ، موضوع هذا المقال ، فمحمد الفاسي رحمه الله صاحب المعلمة ، وهو مَن هو في مجال المعرفة العلمية العامة إلى درجة أن القارئ لكتابه المذكور سيلاحظ غَلَبَةَ ثقافته الفرنسية العميقة على أسلوبه اللغوي ، ولاسيما في كيفية بناء جُمَلِ باللغة العربية ، فكأنه كان يفكر ويكتب باللغة الفرنسية ثم ينقل ويترجم إلى اللغة العربية من جراء تلك الغَلَبَة المشار إليها سلفا…..قلت إن محمد الفاسي بعظمته العلمية تلك لم يَلِج عالَم الملحون إلا بعد أن كَوَّن خلفيته ، وحاسته ، وهُوِيتَه المناسبة لمضامين قصيدة الملحون من جهات ثلاث على الأقل :
الجهة الأولى عندما كان طالبا في فرنسا ، وكان يجتمع مع الطلبة المغاربة ومن بينهم الشاعر محمد بن لحسن المراكشي الذي أرسله باشا مراكش التهامي الكلاوي مع أولاده كي يسهر على تعليمهم أمر دينهم ، والأستاذ بلحسن لم يقف عند مهمته الدينية ، ولم يقتصر عليها فقط ، وإنما كان يُطلِع الطلبة المغاربة آنذاك على ثقافة الملحون بالحديث عنها وعن مقتضياتها الفكرية والفنية ، وسأنقل للقارئ نصا على لسان محمد الفاسي ، يُظهِر تدرجه في اكتساب وبناء ثقافته الملحونية ، يقول عن السيد محمد بن لحسن المراكشي كما سماه في الجزء الثاني \ القسم الثاني من ( المعلمة ) الصفحة : 21\ 22 : ( من علماء مراكش ، درس بالأزهر الشريف بالقاهرة ، وعُيِّن مُدَرِّسا بجامعة ابن يوسف ، وأوفَدَه الباشا الكلاوي لتعليم أبنائه اللغة العربية ، ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف عندما توجهوا إلى باريس للدراسة ، فتعرَّفتُ به هناك في السنة الأولى التي ذهبت فيها من أجل الدراسة في جامعة السوربون ، وهو عَلاَّمَة مُشارِك في كل العلوم الإسلامية ، وكنتُ قد بدأت بالاشتغال بفن الملحون ، فوجدتُ أن له اضطلاعا واسعا عليه ، ويَنظِم عليه كما يَنظِم الشعر الفصيح ، وفي السنة الموالية ، أي : 1927 حيث كان التحق بي للدراسة أيضا ثُلةٌ من المغاربة ، وكنا نُنَظِّم كل يوم أحد اجتماعا يُلقِي أثناءَه أحدُ الإخوان محاضرة ، وافتتحتُ هذه السلسلة من المحاضرات بأول بحث لي عن الملحون ، وكان ذلك في منزلي الذي تطل نوافذه على صرح إيفيل من اليمين ، وعلى نهر لاسين من اليسار ، واستَدعَيتُ الأستاذ بلحسن بهذه المناسبة ، فلما ألقيتُ محاضرتي نَظَمَ هذه القصيدة ، وَصَفَ فيها تلك الجلسة ، وكَنَّى عن الحاضرين بأسماء الذراري السبع ، وبالطيور ، وهو يقول في حربتها :
بين لاسين وتوريفيل لاحَت أنوار
في عشية ليلة الاثنين نُور في نور
يا نْسِيم الصَّبَا للغرب عُد باخبار
قل لاهل الحمرا راني جْلِيس البدور
وقد لازمتُ هذا العالِم الجليل كل مدة إقامتي بباريس ، وأخذتُ عنه كثيرا من العلوم الإسلامية ، من تفسير وحديث وفقه وأصول وبلاغة ، جزاه الله عني خيرا ورحمة ) .
الجهة الثانية المؤتمر الكبير الذي نظمه لأهل الملحون في بداية سبعينيات القرن الماضي بمدينة مراكش ، وقد أصبح إذ ذاك وزيرا للمعارف ، فاستدعى له جمعا غفيرا من شعراء الملحون على طول المملكة ، واستمع لهم ، واستفاد منهم أيما استفادة مما أهَّلَهُ وَمَكَّنَهُ من ذخيرة موسوعته ( المعلمة ) .
الجهة الثالثة هي تلك الصحبة الطويلة التي جمعته مع قصيدة الملحون بالرغم من أنه كان ينتمي إلى أسرة عريقة في مجال الثقافة التراثية ، وإلى مدينة ذات شأو بعيد في ثقافة الملحون هي مدينة فاس الفيحاء ، وبالرغم من كل ذلك فقد سلك عندما أراد أن يتعرف على قصيدة الملحون المسلك الصحيح ، القائم على التعلم ، والمجالسة ، والمذاكرة مع أهل الفن زمنا طويلا .
أكرر….وأكرر إن الثقافة العَالِمَة بمفردها وإن تجذرت وتعمقت فإنها لا ولن تُؤَهِّل صاحِبَهَا للبحث في مجال الملحون ما لم يجالس ، ويستمع ، وينخرط في دوامة الملحون وأهله زمنا كافيا ، ومستوعبا للدقائق ، وما لم ينطلق من خلفية ، أو دوافع ذاتية تعينه على سيره ذاك سيرا إيجابيا مع ناس وقصيدة الملحون ، وما لم يستفد ويتعرف على قوانينها ، ويتذوق سِحرها وعَبَقَها في النظم والإنشاد والبحث .
استغرب عندما أجد باحثين يَدَّعُون ما يَدَّعُون ، ويزعمون ويزعمون في أبحاثهم ومؤلفاتهم المتعلقة بشعر الملحون ، وبسرعة تظهر هَنَّاتُهُم القبيحة حين يسردون ، أو يقرءون المقاطع والأقسام ، فهم يًتَتَأْتَؤُون في ألفاظهم وكأنهم دخلاء ، أو غرباء ، جاهلون بمعاني وتقاليد السرد المختلفة ، وَعَامُون عن معرفة التفاصيل المعجمية والتركيبية والتصويرية….. ومع كل هذه النواقص الفادحة يتطاولون على قصيدة الملحون .
شاعر الملحون وإن كان يُحسَب ويُنعَت بنعوت البساطة المجتمعية إلا أنه كانت له موهبتُه الخاصة ، وحواسُه الفطرية التي لا تُنَال بعلم أوتفكير ، وهي ميزته الأساسية مقارنة بغيره من المبدعين ، الواصلين بالكد والكسب والتحصيل ، بالإضافة إلى أن مِن شعراء الملحون مَن كان مثقفا ، وفقيها ، وعالما ، وكان يجالس الفئات العليا من المجتمع ، وينتمي إليها ، واستطاع بموهبته أن يقول الشعر الملحون ، بل منهم من هاجر الثقافة العَالِمَة وهو قادر على الإبداع بها ، وانتقل إلى الملحون ، ومَكَّنَ نفسَه منه ، وارتوى من حياضه ، ورآه الأنسب لذائقته وقريحته.
في يومنا انقلب الحال وتغير ، وأضحت معضلتنا فيه تطل علينا برأسين سلبيين ومختلفين :
رأس يهم الباحثين المكتفين بقواعد العلم العامة مع ظنهم أنها أَلأَلَمُ لقراءة وتحليل قصيدة الملحون كما فصلنا ذلك فيما ورد أعلاه بمحتوياته وإنجازاته ، وإخفاقاته المتتالية والواضحة .
ورأس يتجه إلى كثرة من شعراء زمننا ، العاملين في ميدان الملحون ، فقد اكتفوا بالتقليد والاجترار ، وظنوا ذلك هو المطلوب منهم حتى تحول شعر الملحون مع بعضهم إلى قبح ومسخ .
قد يملكون موهبة ومعرفة بقواعد الملحون ولكنهم هم فقراء من جهة الآفاق الفكرية التي ستمكنهم من صرف مواهبهم وقرائحهم بطرق تناسب العصر ، وتحافظ على قصيدة الملحون ، وتفتح أمامها إمكانات جديدة للتطور والتقدم المناسبين لمفاهيم قصيدة الملحون المنطلقة من القديم ، مع عدم إغفال الزمن القائم ، والأخذ بما سيصبح في المستقبل المرجو .
إنها آفة من آفات العصر تُلقَى في طريق شعر الملحون ، تَتَلَبَّسُه معها التعاسة ، وتُوَرِّثُهُ الضيم ، وكأنه قدر مُعٍيق ، وصَارِف باستمرار عن كشفِ ملامح قصيدة الملحون الحَقَّة ، وتَبوِيئِها المكانة الواجبة والمستحقة ، وتتسبب في حرمانها من خلع قِيَمِ الفكر والفن عليها بطريقة سليمة وصحيحة .
فعسى ينبعث الأمل ، ونعود إلى طريق الرشاد في الناحيتين معا ، وفي مدى قريب وعاجل ، وبجهد كل غيور وعالم فاحص ، ومتذوق لمختلف مناحي قصيدة وشعر الملحون.
أستاذ جامعي – مراكش
التعليقات مغلقة.