ترأس أمس الجمعة أمير المؤمنين الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن بالقصر الملكي بالرباط، الدرس الأول من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية لسنة 1445 هجرية، وهي مجالس دينية ارتبطت في أذهان المغاربة بشهر رمضان، فما قصتها؟.
ترجح عدة مراجع أن الدروس الحسنية الرمضانية التي تعقد خلال شهر رمضان بالمملكة المغربية إلى عدة قرون، وأنه قد تم إحياؤها سنة 1963 في عهد الملك الراحل الحسن الثاني بالتزامن مع انتخاب أول برلمان مغربي، تحت اسم “الدروس الحسنية”، لتستمر عادة إحياءها الملك محمد السادس خلال شهر رمضان من كل سنة، بمشاركة علماء في الدين والفقه من داخل المغرب وخارجه.
يقول مؤرخ المغرب، عبد الحق المريني في مقال له تحت عنوان “الدروس السلطانية أصالتها ومميزاتها”، إن “فكرة المجالس العلمية هي فكرة قديمة في تاريخ الدولة الإسلامية، وقد برزت في المغرب في العهد المرابطي والموحدي، وكان يطلق عليها مجالس الفقهاء، ولم يطلق عليها “المجالس العلمية” إلا في العهد المريني ثم السعدي”.، مضيفا أنه “في العهد العلوي احتضن ملوك الدولة العلوية هذه المجالس العلمية وشجعوها، وأمروا بفتح باب المناقشة بين العلماء. وكان العلماء من ملوك هذه الدولة يدلون بدلوهم في هذه المساجلات”.
تقول مجلة “دعوة الحق” التي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن هذه المجالس “ازدهرت في عهد السلاطين محمد الثالث وسليمان والحسن الأول خلال أوقات وشهور معينة وهي رجب وشعبان ورمضان”، كما جرى “وخاصة في أيام الدولة العلوية، بعقد المجالس الحديثية خلال الشهـور المذكورة، حيث يعين الشيخ ورئيس المجلس بأمر السلطان، فئة من العلماء الممتازين لحضور المجلس مساء كل يوم طيلة الأشهر الثلاثة باستثناء يومي الخميس والجمعة لسرد أحاديث الصحيح”.
و يعتبر المؤرّخ إبراهيم حركات (1929-2020)، أن المغرب لم يخلق فكرة المجالس العلمية، “فهي قديمة في أوائل الدولة الإسلامية، بل هي موجودة بشكل أو بآخر لدى شعوب التاريخ القديم، فملوك الهند والصين كان لهم مجالسهم مع الحكماء والمنجمين، وكذا البلاط البيزنطي الذي كان يهيمن عليه الرهبان وتجري فيه مناقشات علمية ودينية وسياسية. وفي الإسلام فتح النبي صلى الله عليه وسلم باب النقاش العلمي في مجالسه، خاصة بمسجد المدينة وبيته المجاور”.
وتتخذ هذه الدروس بعدا دوليا حين يحضرها أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد في المغرب، حيث يشهدون هذا المجلس الذي يتمتع فيه المحاضر بالحصانة ضد أي اعتراض أو تعقيب من قبل الحاضرين، بل الكل مطالب بالإصغاء لما يقوله العالم الذي يكون حرا في اختيار موضوع الدرس. كما يتم نقل هذه الدروس عبر البث المباشر التلفزيوني والإذاعي، مما يجعله في مأمن من الرقابة التي يمكن أن تحد من حرية تعبير العالم فيما يود إبلاغه لملايين المشاهدين والمستمعين، خاصة في حضرة ملك البلاد وكبار مسؤولي الدولة من أمراء ووزراء وقادة للجيش.
ومن بين أبرز من شاركوا كمحاضرين أو حضروا كضيوف في هذه الدروس العلامة أبو الأعلى المودودي، والشيخ أبو الحسن الندوي من الهند، والشيخ محمد متولي الشعراوي من مصر، والشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، والدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة-المملكة العربية السعودية، والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي أستاذ كلية الشريعة بجامعة دمشق، والأستاذ محمد سعيد نعماني نائب رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية بالجمهورية الإسلامية الإيرانية. و نشير أنه في سنة 1993ألقى رئيس دولة المالديف السابق مأمون عبد القيوم درسا أمام الحسن الثاني حول “الاجتهاد و ضرورته الملحة لمعالجة القضايا المعاصرة”.
وتعمل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب على “طبع هذه الدروس الحسنية مع ترجمتها إلى اللغات، إضافة إلى إصدارها ضمن أشرطة الفيديو وأشرطة راديو”، بحسب ما جاء في مقال عن “الدروس الحسنية” في “منصة محمد السادس للحديث الشريف”.
وفي عهد الملك محمد السادس، اعتلت ولأول مرة امرأة منبر “الدروس الحسنية” وذلك في عام 2003، وقد كانت أستاذة التعليم العالي في جامعة محمد الخامس بالرباط حينها، رجاء الناجي مكاوي، لتتبعها عالمات أخريات من داخل المغرب وخارجه.
ومن بين المواقف الطريفة التي شهدتها “الدروس الحسنية”، ما حدث مع الشيخ المغربي محمد الأزرق، وهو من علماء “القرويين”، حيث كان يلقي درسا بدون ورقة أمام الملك الحسن الثاني، وبينما كان يهم بإنهائه طلب منه الملك أن يستمر فارتبك وبدا كأنه نسي أين توقف حتى ذكره الملك، فقال له الأزرق “أعطاك الله هيبة خاصة، لا يحس بهذا إلا من تربع هذا المنبر” فابتسم الحسن الثاني والحاضرون.
التعليقات مغلقة.