الانتفاضة
صدر حديثاً للدكتور نور الدين الناصري، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والسياسية بسطات، مؤلف قانوني جديد يحمل عنوان «القانون الإجرائي في المنازعات التجارية بالمغرب: إشكالات واقعية وحلول عملية»، وهو إصدار علمي ينضاف إلى رصيد الكتابات القانونية المتخصصة، فاتحاً نافذة جديدة للنقاش الأكاديمي والمهني حول خصوصيات التقاضي التجاري وما يثيره من إشكالات على مستوى النص القانوني والتطبيق القضائي.
ويأتي هذا المؤلف في مرحلة تتعاظم فيها مكانة القضاء التجاري داخل المنظومة القضائية المغربية، بالنظر إلى صلته الوثيقة بحركية الاستثمار وانتظام المعاملات الاقتصادية وحماية الائتمان التجاري، فضلاً عن دوره في فض النزاعات الناشئة عن العلاقات التجارية وتوفير الضمانات القانونية والقضائية للمتعاملين الاقتصاديين. وهي اعتبارات تجعل من الإحاطة بالقواعد الإجرائية وفهم خصوصياتها ضرورة علمية وعملية، لا مجرد انشغال نظري معزول عن واقع الممارسة.
وقد اختار الدكتور الناصري أن يجعل من الإشكالات الواقعية والحلول العملية مدخلاً لمعالجة موضوع الكتاب، جامعاً بين مناقشة المقتضيات القانونية واستحضار الصعوبات التي تطرحها الممارسة القضائية. ويتناول المؤلف جملة من المحاور الأساسية، في مقدمتها إجراءات ومساطر التقاضي أمام المحاكم التجارية، وقواعد الاختصاص النوعي والمحلي أمام القضاء التجاري، فضلاً عن خصوصيات القضاء الاستعجالي في المنازعات التجارية، وملامح الممارسة القضائية في هذا الصنف من المنازعات.
وتكتسب هذه المحاور أهميتها من كونها تلامس صميم العمل القضائي، إذ إن تحديد المحكمة المختصة، وضبط شروط قبول الدعوى، واحترام الآجال والمساطر، وتقدير شروط التدخل الاستعجالي، كلها مسائل قد يكون لها أثر مباشر في مصير الخصومة ومآل الحقوق المتنازع بشأنها. كما أن خصوصية العلاقات التجارية، بما تتطلبه من سرعة ومرونة واستقرار، تفرض استحضار التوازن الدقيق بين نجاعة الإجراءات وصيانة حقوق الدفاع وضمان المحاكمة العادلة.
ولا تنحصر القيمة العلمية لهذا الإصدار في استعراض القواعد المنظمة للمنازعات التجارية، بل تتجلى كذلك في تسليط الضوء على المسافة الفاصلة أحياناً بين النص القانوني وإكراهات تنزيله، وبين المبادئ المسطرية ومتطلبات الممارسة اليومية. فالقانون الإجرائي ليس مجرد شكليات تؤطر حركة الدعوى، وإنما هو ضمانة لحسن سير العدالة، وأداة لحماية الحقوق، ورافعة لترسيخ الثقة في المؤسسة القضائية.
ومن شأن هذا العمل أن يشكل إضافة نوعية للباحثين في القانون الخاص وطلبة سلكي الماستر والدكتوراه، فضلاً عن القضاة والمحامين والممارسين والمهتمين بالشأن القانوني والقضائي، لما يطرحه من قضايا تتقاطع فيها المعرفة القانونية مع الإشكالات المهنية والرهانات العملية.
وفي سياق التعريف بهذا الإصدار وإتاحته أمام المهتمين، أصبح الكتاب رهن إشارة الباحثين والطلبة والمهنيين وسائر القراء والمهتمين بالشأن القانوني، بمكتبة الرشاد بمدينة سطات، بما يتيح للراغبين في اقتنائه فرصة الاطلاع على مضامينه والاستفادة من مادته العلمية.
ويأتي هذا الإصدار ليؤكد أهمية التأليف القانوني المتخصص في مواكبة التحولات التي تعرفها العدالة التجارية بالمغرب، وإغناء النقاش حول سبل تطويرها وتجويد أدائها. فبين دقة القاعدة القانونية وتعقيدات الواقع القضائي، تظل الحاجة قائمة إلى مؤلفات لا تكتفي بشرح النصوص، بل تنفذ إلى إشكالاتها وتستكشف آفاق تجاوزها، بما يخدم البحث العلمي ويعزز الممارسة القانونية والقضائية.