الانتفاضة // إبراهيم سرّوت
أثار الإعلان عن تشكيلة الحكومة المغربية الجديدة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، تساؤلات في الأوساط الصحفية والإعلامية بشأن غياب وزارة مستقلة تحمل اسم وزارة التواصل، في خطوة تفتح الباب أمام نقاش واسع حول موقع الصحافة والإعلام ضمن أولويات الحكومة الجديدة.
فهل يتعلق الأمر بمجرد إعادة ترتيب الحقائب الوزارية وتوزيع الاختصاصات، أم أن الصحافة والإعلام لم يحظيا بالمكانة التي ينتظرها المهنيون داخل الهندسة الحكومية الجديدة؟ وهل سقطت وزارة التواصل سهواً من لائحة الوزارات، أم أن الأمر يعكس توجهاً جديداً في تدبير هذا القطاع الحيوي؟
إنها أسئلة مشروعة تستدعي أجوبة واضحة، بعيداً عن الأحكام المسبقة والاتهامات غير المدعومة بالأدلة.

أين موقع الصحافة والإعلام في الحكومة الجديدة؟
إن المتتبع للائحة أعضاء الحكومة الجديدة يلاحظ عدم وجود وزارة مستقلة باسم وزارة التواصل، في حين أُسندت إلى محمد المهدي بنسعيد حقيبة الشباب والثقافة والرياضة، كما أُسندت مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة إلى سمير بالفقيه، وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين ستُدبَّر الملفات المرتبطة بالصحافة والنشر والإعلام، وما الجهة الحكومية التي ستتحمل المسؤولية السياسية المباشرة عن هذا القطاع؟
إن غياب وزارة مستقلة لا يعني بالضرورة إلغاء الاختصاصات المرتبطة بالإعلام، لكنه يفرض توضيحاً مؤسساتياً بشأن الجهة المكلفة بها، وكيفية تدبيرها، ومدى استقلالية القرارات المرتبطة بها.
فالصحافة ليست مجرد قطاع إداري إضافي، بل تشكل إحدى ركائز الحياة الديمقراطية، ووسيلة أساسية لإخبار المواطنين، ومراقبة الشأن العام، وفتح النقاش حول السياسات العمومية.

هل أصبحت الصحافة خارج الحسابات الحكومية؟
إن الصحافيين والناشرين والمهنيين لا ينتظرون بالضرورة وزارة تحمل اسماً معيناً بقدر ما ينتظرون سياسة عمومية واضحة، تضمن حرية التعبير، وتحمي استقلالية المؤسسات الإعلامية، وتحسن الأوضاع الاجتماعية والمهنية للعاملين في القطاع.
كما ينتظرون معالجة الإكراهات الاقتصادية التي تواجه المقاولات الصحفية، وتعزيز التعددية الإعلامية، وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى الدعم العمومي، وفق قواعد شفافة وعادلة.
ومن هذا المنطلق، فإن غياب وزارة التواصل عن التشكيلة الحكومية يضع رئيسة الحكومة أمام مسؤولية توضيح تصورها لمستقبل الإعلام الوطني، خصوصاً في مرحلة تتزايد فيها التحديات المرتبطة بالتحول الرقمي، وانتشار الأخبار الزائفة، وتراجع الموارد الاقتصادية للعديد من المؤسسات الصحفية.

من له مصلحة في تهميش الصحافة؟
السؤال الذي يطرحه بعض المهنيين اليوم هو: من يستفيد من إضعاف الصحافة المستقلة أو تقليص حضورها في النقاش العمومي؟
غير أن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تقوم على التخمين أو توجيه الاتهامات إلى جهات بعينها دون أدلة. المطلوب هو فتح نقاش مؤسساتي جاد حول السياسات التي تضمن استقلالية الصحافة، وتحمي حق المواطن في الوصول إلى المعلومة، وتمنع توظيف الدعم العمومي لخدمة مصالح ضيقة.
إن قوة الدولة لا تتعارض مع قوة الصحافة، بل إن الإعلام المهني والمسؤول يساهم في تعزيز الثقة بين المؤسسات والمواطنين، من خلال نقل الحقائق ومساءلة المسؤولين في إطار القانون.

رسالة إلى فاطمة الزهراء المنصوري
إن الحكومة الجديدة مطالبة بتقديم توضيحات بشأن الجهة التي ستتولى تدبير ملفات التواصل والصحافة والإعلام، والكشف عن برنامجها للنهوض بالمقاولات الصحفية وحماية الحقوق المهنية للعاملين فيها.
فالمطلوب ليس مجرد تسمية وزارة أو حذفها، وإنما ضمان وجود سياسة إعلامية واضحة، ومسؤولية حكومية محددة، وحوار منتظم مع ممثلي الصحافيين والناشرين.
فهل ستكشف حكومة فاطمة الزهراء المنصوري عن تصور واضح لمستقبل الصحافة والإعلام في المغرب، أم سيظل هذا القطاع ينتظر أجوبة عن أسئلة مشروعة؟
إن الصحافة ليست عبئاً على الحكومة، ولا خصماً للمؤسسات، بل شريك أساسي في بناء مجتمع ديمقراطي تسوده الشفافية والمساءلة واحترام الحق في المعلومة. والتاريخ وحده، إلى جانب حصيلة السياسات والقرارات، سيكشف مدى المكانة التي ستمنحها الحكومة الجديدة لهذا القطاع الحيوي.
