استحقاقات 23 شتنبر : غابت السياسة ، وحضرت الأسماء وأشياء أخرى …

0

الإنتفاضة.   //  أحمد بومعيز

… ليست الانتخابات دائما هي التي تغيّر الخريطة السياسية. أحيانا ، هي لا تفعل أكثر من أن تزيح الستارة. فنكتشف أن الخريطة كانت قد تغيرت حتى قبل أن نصل إلى الصندوق.
وهذه المرة، ربما لم يكن السؤال الحقيقي هو:
من تَصدّر؟
بل، ماذا بقي من السياسة الحزبية!؟؟
الأرقام قالت وتقول أن الأصالة والمعاصرة جاء أولاً بـ97 مقعدا ، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ 66، ثم الاستقلال بـ 65. ثم ظهر العدالة والتنمية ب54 مقعدا ،بعد أن كان قد خرج من انتخابات 2021 ب 13 مقعدا فقط.
أربعة أضعاف تقريباً… وكأن المصباح الذي ظن الجميع أنه انطفأ، تذكر فجأة أنه مصباح.
لكن المسألة ليست كلها في المصباح. المسألة في مكونات المشهد السياسي ككل وما جرى وما يجري في سياق ذات المشهد.. فالعدالة والتنمية لم يعد فقط إلى البرلمان بل عاد إلى الذاكرة. والذاكرة في السياسة ليست صندوقا محايدا. ولها مفاتيحها
وأبوابها القديمة. ولها وجدان وصدى وخلفيات وتأويل ومرجعية جمعية.
وهنا يظهر بنكيران،
ليس باعتباره وحده تفسيرا للعودة ، فالأرقام أكبر من رجل واحد، ولكن باعتباره أحد أبرز وجوه الخطاب الذي أعاد الحزب إلى الواجهة:
خطاب مباشر.
حاد أحيانا .
شخصي أحيانا أخرى.
شعبوي ، ومغامر، وهجومي.
ومشحون بما يلامس الوجدان الديني المفتوح على الاستغلال السياسي، بصرف النظر عن كنه البرنامج و البراغماتية والواقعية وسياق الظرفية .
وهنا بالضبط يبرز ذلك الخطاب الذي
يختزل المعقد بتوظيف تعقيد الدين والوجدان الجمعي للمواطنين. وهو أن تجعل السياسة أقرب إلى مواجهة بين «النحن» و«هم». أن تخاطب الناس بما يمكن أن يستقطب وجدانهم :
المظلومية..
الغضب…
الذاكرة…
الدين…
والحنين إلى زمن تبدو فيه الأشياء في الماضي لا في الحاضر ولا في المستقبل.. وهكذا عادت العاطفة الدينية إلى الكلام السياسي، ليس باعتبارها برنامجا انتخابيا متكاملا ، بل باعتبارها جزءامن الوجدان.والوجدان، حين يدخل صندوق الاقتراع، لا يأتي دائما حاملا جدولا للأرقام، يأتي بصورة وبنبرة وباسم وبذاكرة لصورة غير مكتملة.
فالناخب لا يسكن دائما في البرنامج
فأحيانا يسكن في تلك الصورة الماضوية الموشومة والمتشضية في اللاوعي المجتمعي .
وفي الجهة الأخرى، كان اليسار واقفاً أمام مرآته :
26 مقعداً للاتحاد الاشتراكي. 19 للتقدم والاشتراكية.و8 لتحالف اليسار…
أرقام لا تحتاج إلى الكثير من الشرح والتحليل ، لكنها تحتاج إلى أسئلة أكثر وأكبر:
أين الشارع؟
أين اللغة التي تصل إليه؟
أين ومن أين الخطاب؟
أين ذلك الخيط الذي كان يربط الحزب بالناس؟
اليسار يملك تاريخا، لكن التاريخ لا يصوت. والشعارات، مهما كانت جميلة، لا تخرج وحدها من البيت إلى المقرات إلى الشوارع والأسواق والمداشر يوم الاقتراع. فالمجتمع المغربي فعلا تغيّر ، والمدينة تغيّرت، والقرية تغيرت ، والشباب تغير…وحتى الفقر غيّر لغته. وحده الخطاب الحزبي اليساري ظل واقفا أمام الباب نفسه..يطرق ، ولا أحد يفتح. ربما لأن البيت وصاحبه أيضا تغيّرا .
ثم يأتي الشخص.
وهنا تبدأ الحكاية الأخرى:
لقد أصبحت الانتخابات، في كثير من الحالات، أقل شبها بانتخابات الأحزاب، وأكثر شبهاً بانتخابات الأشخاص.
ليس المهم دائما ماذا يقول الحزب. المهم أحياناً:
من يقول..
ومن يعرف..
ومن يستطيع أن يصل..
ومن له اسم يسبق اسمه..
نفوذ…
علاقات…
حضور…
صورة…
وأحيانا مجرد القدرة على فتح باب ما …
وهذا كله قد يكون، في لحظة انتخابية، أقوى من برنامج من مئات الصفحات المنقحة والمصورة والمعدلة حتى ب IA.
خذ فوزي لقجع، مثالا على ظاهرة الشخصنة السياسية. ليس المقصود هنا الحكم على الرجل أو تقييم تجربته. المهم هو الدلالة.
حين يصبح الاسم نفسه رأسمالا سياسيا..حين يدخل الشخص إلى الحزب حاملا معه رصيدا صنعه خارج الحزب…حين يصبح السؤال:
من هو؟
قبل أن يصبح:
ماذا يقول الحزب؟
عندها تبدأ السياسة في تغيير ملابسها:
الاسم يمشي أمام الحزب. والحزب يلحق به. أما البرنامج، إن وجد، فيأتي متأخرا قليلا،كأنه راكب الحافلة الخطأ.
وهكذا يصبح المشهد المغربي أكثر غرابة وتعقيدا. حزب يعود من الذاكرة والوجدان، ويسار يبحث عن الشارع في الذاكرة والتاريخ، وشخص يتقدم على وعن الحزب. ونفوذ يستطيع أن يختصر الطريق كله . وعاطفة دينية تجد من ينادي ويستنجد بها..
وفي الخلفية، مشاركة انتخابية لم تتجاوز 38.08 في المائة، بعدما بلغت نحو 50 في المائة في انتخابات 2021.
وهنا المفارقة الأكبر. الأحزاب تتنافس على الصناديق. والصناديق نفسها تبدو كأنها تتنافس مع العزوف. كأن أكثر من نصف الحكاية بقي خارج الحكاية…!!!
ربما ،و لهذا ، لا ينبغي أن نقرأ نتائج هذه الانتخابات فقط بمنطق:
من ربح..؟!ومن خسر؟!!
فالسياسة أعمق من جدول نتائج.
وهناك أسئلة آخرى ، أكثر إزعاجا وإحراجا للمشهد :
لماذا عاد من عاد؟!!
ولماذا ابتعد من ابتعد؟!!
ولماذا أصبح الشخص أحيانا أقوى من الحزب؟!!
ولماذا تستطيع كلمة واحدة أن توقظ عاطفة نائمة، بينما تعجز عشرات البيانات عن إيقاظ اهتمام الناخب؟!!
هذه ليست أسئلة للعدالة والتنمية وحده. ولا لليسار وحده…
إنها أسئلة للأحزاب كلها. لأن الخطر الحقيقي ليس أن يفوز حزب أو يتراجع حزب. فالخطر أن تتحول السياسة إلى أسماء وإلى صور متشضية في الوجدان والعاطفة وإلى نفوذ وإلى ذاكرة مؤجلة التفاصيل..
ثم يحدث أن نكتشف، بعد كل ذلك، أننا نسينا الفكرة.
وربما لهذا السبب، حين أُغلقت صناديق الاقتراع، لم تكن السياسة أول ما خرج منها.
خرجت الأسماء..
خرج النفوذ..
خرجت العاطفة الدينية..
ثم خرجت الأحزاب وهي تعدّ مقاعدها…
أما السياسة؟؟!!!
فربما بقيت في الداخل:
تبحث عن حزب جديد؟!!!
أو عن ناخب جديد..؟؟!!
أو عن خطاب جديد؟؟!!
أو عن نفسها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.