الانتفاضة
مع اقتراب الاستحقاقات البرلمانية، يعود إقليم الحوز إلى واجهة النقاش السياسي، ليس فقط بسبب أهمية الانتخابات المقبلة، وإنما بسبب الجدل المتزايد حول الأسماء التي تستعد لدخول المنافسة، وحول طبيعة المعايير التي تتحكم في تشكيل اللوائح الانتخابية.
في الحوز، يعرف المواطنون جيدا تضاريس المنطقة ودواويرها وقبائلها، ويعرفون أيضا الوجوه السياسية التي تظهر في كل موسم انتخابي. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل أصبحت الانتخابات البرلمانية مناسبة لتجديد النخب، أم أن بعض الأسماء والعائلات والشبكات الانتخابية ما زالت قادرة على فرض حضورها؟
هذا السؤال لا يستهدف عائلة بعينها، ولا يعني أن الانتماء العائلي عيب في حد ذاته، وإنما يتعلق بمبدأ تكافؤ الفرص داخل الحياة السياسية. فالترشح للبرلمان حق سياسي، لكن الوصول إلى المؤسسة التشريعية ينبغي أن يكون مبنياً على الكفاءة والثقة الشعبية والبرنامج والقدرة على الدفاع عن مصالح المواطنين.
إقليم الحوز يحتاج اليوم إلى نقاش سياسي مختلف. المنطقة عاشت ظروفاً صعبة خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت ملفات التنمية وإعادة الإعمار والبنية التحتية والصحة والتعليم والنقل وفرص الشغل في صلب اهتمامات المواطنين.
ولهذا لم يعد كافياً أن يظهر المرشح قبل الانتخابات بأسابيع، أو أن يقوم بجولات ولقاءات انتخابية، ثم يختفي بعد انتهاء الاقتراع. المواطن يريد منتخباً حاضراً طوال الولاية، يستمع إلى شكاياته، ويتابع الملفات لدى الإدارات والمؤسسات، ويقدم حصيلة واضحة عن عمله.
وهنا تظهر مسؤولية الأحزاب السياسية. فالحزب الذي يريد كسب ثقة سكان الحوز مطالب بأن يشرح للناس لماذا اختار هذا المرشح أو ذاك، وما البرنامج الذي يحمله، وما الذي يميزه عن منافسيه.
أما الاعتماد فقط على النفوذ المحلي أو العلاقات أو التاريخ الانتخابي، فإنه قد يحقق نتائج انتخابية في بعض الحالات، لكنه لا يضمن بالضرورة تمثيلاً سياسياً قوياً داخل البرلمان.
والسؤال الأكبر الذي ينبغي طرحه على كل مرشح هو: ماذا قدمت للحوز عندما كنت في موقع المسؤولية؟
كم من مشروع دافعت عنه؟ كم من ملف نقلته إلى البرلمان؟ ما هي القضايا التي طرحتها باسم سكان المنطقة؟ وما هي الوعود التي تحققت فعلاً؟
هذه الأسئلة ليست تشهيراً بأحد، بل هي جوهر الديمقراطية والمحاسبة السياسية.
كما أن المواطن الحوزي أصبح أكثر وعياً بأن صوته ليس مجرد رقم في صناديق الاقتراع. الصوت الانتخابي أمانة، ومنحه لمرشح معين يعني منحه ثقة لتمثيل المنطقة والدفاع عن مصالحها.
ومن هنا، فإن الانتخابات المقبلة يجب ألا تتحول إلى منافسة بين العائلات أو الأشخاص فقط، بل إلى منافسة بين البرامج والأفكار والحصيلة.
الحوز في حاجة إلى برلماني يعرف المنطقة جيداً، يعرف مشاكل الدواوير والقرى والجماعات، ويستطيع أن يجعل من البرلمان فضاءً للدفاع عن قضايا الإقليم، وليس مجرد موقع سياسي أو وجاهة اجتماعية.
كما أن الأحزاب مطالبة بفتح المجال أمام الكفاءات المحلية والشباب والنساء، وإعطاء الفرصة لوجوه جديدة قادرة على تقديم رؤية مختلفة. فالتجديد السياسي لا يعني إقصاء أصحاب التجربة، وإنما يعني خلق توازن بين الخبرة وتجديد النخب.
وفي المقابل، على المرشحين أنفسهم أن يقدموا أنفسهم للمواطنين بشفافية، وأن يكشفوا برامجهم ومواقفهم وحصيلتهم، وأن يقبلوا بالنقد السياسي والإعلامي المسؤول.
أما الناخب، فهو صاحب القرار النهائي. ولن يكون من المنطقي أن نلوم المواطن بعد الانتخابات إذا لم نقدم له خيارات واضحة وبرامج قابلة للنقاش والمقارنة.
الحوز لا يحتاج إلى صراع شخصي بين المرشحين، ولا إلى حملات تقوم على تبادل الاتهامات، وإنما يحتاج إلى منافسة سياسية نظيفة تجعل مصلحة المواطن فوق الحسابات الحزبية والشخصية.
وفي نهاية المطاف، ستبقى صناديق الاقتراع هي الحكم. فإذا اختار المواطن مرشحاً لأنه يحمل برنامجاً مقنعاً، فذلك خيار ديمقراطي يجب احترامه. وإذا اختار التغيير، فيجب كذلك احترام إرادته.
والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى جميع المتنافسين واضحة: الحوز ليس ملكاً لعائلة سياسية، ولا لحزب سياسي، ولا لشخص بعينه. الحوز ملك لسكانه، والتمثيل البرلماني تكليف ومسؤولية وليس امتيازاً.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل ستشهد الانتخابات المقبلة بإقليم الحوز تحولاً نحو التنافس بالبرامج والكفاءة والحصيلة، أم ستظل العائلات والنفوذ الانتخابي والعلاقات المحلية عوامل حاسمة في تشكيل الخريطة البرلمانية؟
الإجابة لن تكون في التصريحات واللقاءات الانتخابية، وإنما سيكتبها المواطن الحوزي يوم الاقتراع، عندما يضع صوته أمام أسماء وبرامج ويقرر بنفسه من يستحق تمثيله.