في اليوم الألف من إبادة غزة.. حين يصبح الصمت شريكا في الجريمة

الانتفاضة/ جميلة ناصف

في اليوم الألف من الحرب المدمرة على قطاع غزة، لم يعد ممكنا التعامل مع ما يجري باعتباره مجرد جولة جديدة من الصراع أو مواجهة عسكرية عابرة. ألف يوم مرت على أرض ضاقت بأهلها، وعلى مدن تحولت أحياؤها إلى ركام، وعلى أطفال كبر بعضهم بين الخيام، فيما لم يعرف آخرون من طفولتهم سوى أصوات الطائرات والانفجارات وصفارات سيارات الإسعاف. ألف يوم من القتل والدمار والنزوح والجوع والفقدان، في واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في التاريخ المعاصر.

في اليوم الألف، يصبح السؤال أكبر من أرقام الضحايا، رغم هولها، وأكبر من حجم المباني التي سويت بالأرض، وأكبر حتى من عدد العائلات التي فقدت أبناءها وبيوتها ومستقبلها. السؤال الحقيقي هو كيف استطاع العالم أن يتعايش كل هذه المدة مع مشاهد الموت اليومي؟ وكيف تحولت صور الأطفال تحت الأنقاض، والأمهات الباكيات، والمرضى الذين ينتظرون العلاج في مستشفيات مدمرة، إلى مشاهد تتكرر على الشاشات دون أن تنجح في إيقاظ ضمير دولي بدا وكأنه اعتاد المأساة؟

لقد كانت غزة، قبل هذه الحرب، واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم، لكنها تحولت خلال هذه الفترة الطويلة إلى مساحة مفتوحة للدمار والنزوح. لم يعد الفلسطيني في القطاع يسأل فقط عن مكان آمن، بل عن إمكانية وجود مكان آمن أصلا. فمن الشمال إلى الجنوب، ومن مدينة غزة إلى رفح، تكررت أوامر الإخلاء، وانتقلت مئات الآلاف من الأسر من منطقة إلى أخرى، حاملة ما تبقى من حياتها في أكياس صغيرة، قبل أن تجد نفسها مرة أخرى أمام القصف والموت والخيام.

ألف يوم لم تكن مجرد مدة زمنية، بل كانت عمرا كاملا من الخسائر المتراكمة. أجيال من الأطفال انقطعت عن الدراسة، ومدارس تحولت إلى مراكز لإيواء النازحين أو إلى ركام، ومستشفيات فقدت قدرتها على استقبال الأعداد المتزايدة من الجرحى والمرضى. أما الجامعات والمؤسسات الثقافية ودور العبادة والبنية التحتية، فقد أصبحت بدورها جزء من مشهد الدمار الواسع الذي طال مختلف مناحي الحياة.

وفي قلب هذه المأساة، برزت المجاعة والجوع كسلاح آخر يلاحق سكان القطاع. فالحصار وتشديد القيود على دخول المساعدات والمواد الأساسية جعلا الحصول على الغذاء والماء والدواء معركة يومية. لم يعد الحديث عن الرفاهية أو تحسين شروط الحياة، بل عن أبسط شروط البقاء. عائلات كاملة تقف لساعات طويلة بحثا عن لقمة أو لتر من الماء، وأمهات يجدن أنفسهن عاجزات عن توفير الطعام لأطفالهن، فيما تتكرر التحذيرات الدولية من الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع.

إن أكثر ما يثير القلق في اليوم الألف ليس فقط استمرار الحرب، وإنما تحول الكارثة إلى أمر عادي في الوعي العالمي. في البداية كانت صور الدمار تستدعي صدمة واسعة، وكانت الأخبار العاجلة تتصدر نشرات العالم، لكن مع مرور الوقت بدأت المأساة تواجه أخطر أشكال التجاهل، وهو الاعتياد. وكأن استمرار القتل يجعل الجريمة أقل بشاعة، وكأن تكرار الصور يؤدي إلى فقدان القدرة على التأثر بها.

لكن في غزة، لا يوجد شيء عادي. ليس من الطبيعي أن يولد طفل في زمن الحرب ولا يعرف معنى الاستقرار. وليس من الطبيعي أن تقضي أسرة شهورا أو سنوات في خيمة بعدما فقدت منزلها. وليس من الطبيعي أن يصبح الحصول على العلاج أو الغذاء أو الماء رهينا بالحسابات السياسية والعسكرية. وليس من الطبيعي أن تتحول حقوق الإنسان إلى شعارات قابلة للتأويل بحسب هوية الضحية وجغرافية المكان.

لقد كشفت هذه الحرب مرة أخرى حجم التناقض الذي يطبع النظام الدولي. فالدول التي تتحدث باستمرار عن القانون الدولي وحقوق الإنسان وحماية المدنيين، وجدت نفسها أمام اختبار حقيقي. وكان السؤال واضحا: هل تطبق هذه المبادئ على الجميع أم أنها تتحول إلى أدوات سياسية تستخدم حين تخدم مصالح معينة وتتراجع حين يصبح تطبيقها مكلفا؟

إن ما حدث في غزة لم يكن مجرد اختبار للمنظمات الدولية، بل كان أيضا اختبارا للإعلام العالمي. فمنذ بداية الحرب، خاضت الرواية معركتها الخاصة، بين من يحاول توثيق ما يجري على الأرض ومن يسعى إلى تقديم الأحداث وفق حسابات سياسية وإعلامية محددة. وقد دفع الصحافيون الفلسطينيون ثمنا باهظا وهم ينقلون تفاصيل الحياة والموت، في ظروف استثنائية، بينما كانت الصورة القادمة من غزة أحيانا الدليل الوحيد على حقيقة ما يجري.

وفي اليوم الألف، لا يمكن الحديث عن غزة دون الحديث عن الشعب الذي ظل متمسكا بالبقاء رغم كل شيء. فوسط الدمار ظهرت قصص لا تنتهي عن التضامن والصمود، عن أطباء يواصلون عملهم في ظروف قاسية، وعن مسعفين يبحثون عن ناجين تحت الأنقاض، وعن معلمين يحاولون إعادة الأطفال إلى التعلم داخل الخيام، وعن أسر تتقاسم القليل الذي تملكه مع من فقدوا كل شيء.

لكن تمجيد الصمود يجب ألا يتحول إلى ذريعة لترك الفلسطينيين يواجهون مصيرهم وحدهم. فليس مطلوبا من شعب أن يثبت قدرته على تحمل الموت والجوع والدمار إلى ما لا نهاية. الصمود ليس بديلا عن العدالة، ولا البطولة بديلا عن الحماية، ولا القدرة على البقاء تعني أن العالم معفى من مسؤوليته.

إن اليوم الألف يجب أن يكون مناسبة لإعادة طرح الأسئلة التي حاول الزمن إخفاءها. متى تتوقف هذه الحرب؟ ومن سيحاسب على حجم الدمار والخسائر الإنسانية؟ وكيف ستتم إعادة بناء مجتمع فقد جزء كبيرا من بنيته ومؤسساته؟ وما مصير الأطفال الذين قضوا سنواتهم الأولى بين الحرب والنزوح؟ ثم كيف يمكن الحديث عن مستقبل سياسي حقيقي دون معالجة الجراح العميقة التي خلفتها هذه المرحلة؟

إن إعادة إعمار المباني، مهما كانت تكلفتها، قد تكون أهون من إعادة بناء الإنسان. فالحجر يمكن تشييده من جديد، أما الذاكرة المثقلة بالفقدان والخوف فلا يمكن ترميمها بسهولة. آلاف الأطفال سيحملون معهم آثار هذه الحرب إلى سنوات طويلة، وأسر كاملة ستعيش مع غياب من فقدتهم، ومجتمع بأكمله سيحتاج إلى وقت طويل ليستعيد الحد الأدنى من الاستقرار.

وفي المقابل، فإن استمرار الوضع الحالي لا يهدد غزة وحدها، بل يهدد مستقبل المنطقة بأكملها. فالحروب الطويلة لا تنتهي دائما عندما تتوقف الطائرات عن القصف، إذ تبقى آثارها السياسية والاجتماعية والنفسية، وتتحول المظالم غير المعالجة إلى وقود لمزيد من العنف وعدم الاستقرار.

بعد ألف يوم، تبدو غزة جرحا مفتوحا في ضمير العالم. جرح يكشف حدود النظام الدولي، ويطرح أسئلة قاسية حول قيمة الإنسان وفعالية القانون الدولي ومعنى العدالة. لقد وثقت الكاميرات والهواتف والشهادات تفاصيل هذه المأساة لحظة بلحظة، ولذلك لن يكون ممكنا في المستقبل الادعاء بأن العالم لم يكن يعلم.

في اليوم الألف من هذه المأساة، تحتاج غزة إلى أكثر من بيانات القلق والتنديد. تحتاج إلى إرادة حقيقية لوقف الحرب، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وفتح أفق سياسي ينهي دوامة العنف. فكل يوم إضافي لا يعني فقط مزيدا من الدمار، بل يعني صفحة جديدة من الألم تضاف إلى ذاكرة شعب أنهكته الحروب.

ألف يوم مرت، لكن السؤال ما يزال معلقا أمام العالم: كم يوما آخر يحتاج الضمير الإنساني حتى يقول إن ما يحدث يجب أن يتوقف؟ وهل ينتظر العالم انتهاء كل شيء حتى يبدأ في البحث عن المسؤولين؟ غزة اليوم لا تحتاج إلى تعاطف موسمي، بل إلى موقف واضح يضع حياة المدنيين وكرامتهم فوق الحسابات السياسية. ففي اليوم الألف، لم تعد المأساة خبرا عابرا، بل شهادة قاسية على زمن رأى كل شيء، ومع ذلك ظل عاجزا عن إيقاف النزيف.

التعليقات مغلقة.