الانتفاضة/ عبد المولى المروري
لست هنا بصدد الدفاع عن عبد الإله ابن كيران في كل ما يقوله، ولا أعتقد أن الرجل يحتاج إلى من يدافع عنه في معاركه السياسية.. فقد اختلفت معه في مواقف عديدة، وانتقدت اختياراته في أخرى، وسيظل العمل السياسي مجالا مشروعا للاختلاف والنقد والمساءلة. لكن الإنصاف يقتضي أحيانا أن ندافع عن حق من نتخلف معه في الكلام قبل أن ندافع عن مضمون كلامه.
الحملة التي تعرض لها عبد الإله ابن كيران بعد حديثه الأخير عن أحداث الهجرة الجماهيرية نحو سبتة، وقوله إنه سبق أن طلب من الملك فتح تحقيق لمعرفة ما وقع ومن دبره وكيف وقع، وإنه لم يتلق إلى اليوم جوابا، تكشف في تقديري عن مشكلة أكبر من ابن كيران وأكبر من حادثة سبتة نفسها.. إنها تكشف عن سؤال قديم متجدد في الثقافة السياسية المغربية:
هل يجوز للسياسي أن يسائل السلطة، أم إن مجرد الاقتراب من بعض دوائرها يتحول من سؤال سياسي إلى مسألة في الأدب والولاء؟
لنبدأ من النص، بعيدا عن الانفعال، ينص الفصل الأول من الدستور المغربي على أن: «نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية».
ويضيف أن النظام الدستوري يقوم على فصل السلط وتوازنها وتعاونها، وعلى الديمقراطية المواطنة والتشاركية، ومبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.. لذلك فأن هنا أدافع عن الدستور قبل أن دافع عن ابن كيران..
هذه العبارة الأخيرة ليست زينة لغوية في صدر الدستور، فإذا كانت المسؤولية لا تستتبع السؤال، وإذا كان السؤال يتحول إلى إساءة، وإذا كانت المطالبة بالتحقيق تصبح تجاوزاً للحدود، فما الذي يبقى عملياً من مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؟
المحاسبة تبدأ بالسؤال.. والسؤال السياسي يبدأ بالحق في معرفة ما وقع.. وهل يملك ابن كيران أصلاً أن يطلب من الملك التحقيق؟ هنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً، لأن بعض المنتقدين قدموا طلب ابن كيران كما لو أنه اقتحم مجالاً لا علاقة للملك به، أو طالب المؤسسة الملكية بممارسة اختصاص لا يقره الدستور.
والحال أن الفصل 67 من الدستور نفسه ينص صراحة على إمكانية تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق لجمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، ويحدد ثلاث جهات يمكن أن تنطلق منها المبادرة بحسب الحالة: الملك، أو ثلث أعضاء مجلس النواب، أو ثلث أعضاء مجلس المستشارين.
إذن عندما يطلب رئيس حزب سياسي من الملك المبادرة إلى إحداث لجنة لتقصي الحقائق، فهو لا يخترع اختصاصاً ملكياً من عنده.. بل إنه يطلب استعمال إمكانية منصوص عليها في الدستور.
يمكن الاختلاف معه في تقدير الحاجة إليها.. ويمكن القول إن البرلمان أولى بالمبادرة.. ويمكن لحزبه أن يسعى إلى جمع ثلث أعضاء أحد المجلسين لتشكيل اللجنة (وإن كان ذلك مستحيلا بحكم الواقع).. ويمكن مناقشة الشكل الذي اختاره ابن كيران في مخاطبة الملك.؛ لكن لا يمكن تحويل طلب يجيزه البناء الدستوري نفسه إلى جريمة سياسية أو مساس بالمؤسسة الملكية.
الأهم من ذلك أن الفصل 42 لا يقدم الملك باعتباره مؤسسة منفصلة عن السير الدستوري للدولة، وإنما يصفه بأنه رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، ويكلفه بالسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية وصيانة الاختيار الديمقراطي وحقوق وحريات المواطنين.وبذلك فإن الفصل 42 يجعل السؤال أكثر مشروعية ومصداقية..
فإذا وقعت أحداث استثنائية أثارت صدمة وطنية، وطرحت أسئلة حول تدبير السلطات العمومية، وحول كيفية وصول أعداد كبيرة من المواطنين إلى الحدود، وحول المسؤوليات السياسية والأمنية والإدارية المرتبطة بما وقع، فأين الغرابة في أن يطلب رئيس حزب سياسي وطني من رئيس الدولة استعمال ما يتيحه له الدستور من أجل كشف الحقيقة؟
والأغرب في نظري ليس السؤال في حد ذاته.. الأغرب أن يصبح السؤال نفسه موضع اتهام.. «الملك لم يجبني».. أين المخالفة؟
فإذا كانت العبارة التي أثارت الحساسية الأكبر قول ابن كيران «إن الملك لم يجبه إلى الآن»، لا بد أن نقف عندها بشكل دقيق..
أولا لا في الدستور ما يلزم الملك بأن يجيب شخصياً عن كل رسالة يوجهها إليه رئيس حزب، ولا يوجد أجل دستوري يلزم المؤسسة الملكية بالرد على مثل هذه المطالب.. ومن ثم، سيكون من المبالغة القانونية القول إن ابن كيران يملك «حقاً دستورياً في جواب شخصي من الملك».
وثانيا، لا يوجد نص دستوري يمنع رئيس حزب من أن يقول للرأي العام إنه وجه طلباً إلى الملك ولم يتلق جواباً عنه.. لذلك فإن هذه الواقعة السياسية تعد سابقة في المشهد المغربي في عهد محمد السادس، لذلك يجب تقييمها وقراءتها سياسياً.
لقد كان ممكناً أن يقال لابن كيران إنك أخطأت في الصياغة، أو كان الأجدر بك مخاطبة البرلمان، أو الحكومة، أو وزارة الداخلية، أو أن تدفع فريق حزبك إلى طلب لجنة لتقصي الحقائق.. وهذا كله نقد سياسي مشروع.
أما تحويل جملة «لم أتلق جواباً» إلى مساس بالمقدسات، فمعناه الانتقال من الملكية الدستورية إلى تصور آخر يجعل مجرد الحديث عن المؤسسة الملكية خارج دائرة النقاش السياسي.. وهذا لا يقوله الدستور.
فالملكية الدستورية ليست ملكية الصمت، لذلك فهناك فرق جوهري بين احترام المؤسسة الملكية وبين تحريم النقاش حول الاختصاصات الدستورية التي تمارسها.
كما إن الاحترام واجب.. لكن الاحترام شيء، وإلغاء السياسة شيء آخر.. بل إن قوة المؤسسة الدستورية لا تأتي من إحاطتها بعوازل من الصمت، وإنما من انتظام علاقتها ببقية المؤسسات داخل قواعد الدستور.
فالملك في دستور 2011 ليس خارج البناء الدستوري؛ إنه في قلبه، وله اختصاصات محددة ومهام دستورية كبرى.. ولذلك فإن مخاطبته في شأن يدخل ضمن وظائفه الدستورية ليست انتقاصاً منه، بل اعتراف بموقعه الدستوري.
ولكن من المفارقات أن بعض الذين هاجموا ابن كيران باسم الدفاع عن الملك انتهوا، من حيث لا يشعرون، إلى تقديم تصور للمؤسسة الملكية أكثر ابتعاداً عن روح دستور 2011 من كلام ابن كيران نفسه.. فهذا الأخير كان أكثر احتراما للدستور والتزاما به.. وهذه حقيقة لابد من الاعتراف للرجل بها، إضافة إلى الشجاعة السياسية التي تحلى بها حينها، في وقت لاذ كل السياسيين والزعماء بصمت القبور..
ولماذا التحقيق ضروري أصلاً؟ فالمشكلة الحقيقية التي ينبغي ألا تضيع وسط هذا السجال وهي ماذا وقع في سبتة؟ كيف تحولت مناسبة وطنية بحجم عيد العرش إلى مشهد جماعي لمغاربة يحاولون الهرب من وطنهم والعبور نحو مدينة محتلة وكيف وصل هؤلاء إلى هناك في غياب الرقابة والحراسة الدائمة على الحدود؟ ما الذي كانت تعرفه السلطات قبل وقوع الأحداث؟ وما هي الإجراءات التي اتخذتها؟ هل كانت هناك اختلالات في التقدير أو التدبير؟ وهل ما وقع مجرد حادث أمني عابر، أم تعبير اجتماعي وسياسي شديد الخطورة عن أزمة ثقة وأمل لدى فئات واسعة من المجتمع؟
هذه الأسئلة لا تستهدف الملك ولا الحكومة ولا الأجهزة الأمنية.. إنها تستهدف الحقيقة. والدولة التي تثق في مؤسساتها لا تخشى التحقيق.. بل إن التحقيق هو الذي يحمي المؤسسات من الإشاعة، ويبرئ من لا مسؤولية له، ويحدد مسؤولية من ثبت تقصيره. أما ترك الأسئلة معلقة فهو الذي يفتح الباب أمام التأويل والإشاعة ونظريات المؤامرة.
من المسؤول إذن؟ هنا لا ينبغي أن نختزل الدولة في الملك.. فالدستور جعل الحكومة، تحت سلطة رئيسها، مسؤولة عن تنفيذ البرنامج الحكومي وعن ضمان تنفيذ القوانين، ووضع الإدارة تحت تصرفها في نطاق اختصاصاتها.
والبرلمان بدوره يملك أدوات الرقابة.. ويملك النواب مساءلة رئيس الحكومة والوزراء؛ بل إن النظام الداخلي لمجلس النواب، تطبيقاً للفصل 100 من الدستور، يقرر حق النواب في توجيه الأسئلة إلى رئيس الحكومة حول السياسة العامة وإلى الوزراء حول السياسات العمومية والقطاعية.
كما يملك البرلمان الآلية الأقوى في هذه النازلة، لجنة تقصي الحقائق، ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي توجيهه أيضاً إلى حزب العدالة والتنمية هو: إذا كان الحزب مقتنعاً بخطورة ما وقع، فلماذا لا يجعل من المطالبة بتحقيق برلماني معركة مؤسساتية؟ فالإنصاف لابن كيران لا يعني إعفاء حزبه من مسؤوليته.
جزء كبير من الحملة على ابن كيران لم يناقش مضمون طلب هذا الأخير.. وإن كنت قد طالبت قبل ابن كيران بضرورة فتح تحقيق في تدوينة سابقة، لم يقل أحد وبشكل رسمي بضرورة فتح تحقيق قبل ابن كيران.. ولم يقل أحد لماذا لا يستحق ما وقع التحقيق؟
كما لم يقل هؤلاء الذين تهجموا على ابن كيران ما الذي يمنع دستورياً من مطالبة الملك بالمبادرة إلى تعيين لجنة تقصي الحقائق؟ بل انتقل النقاش سريعاً إلى قاموس آخر، الوقار.. الأدب.. الحدود.. المقام.. التطاول..
وهذه مفاهيم لها مكانها في الثقافة والتقاليد السياسية، ولا يمكنها أن تحل محل القانون الدستوري، لأن في الدولة الحديثة لا يكفي أن نسأل هل احترم السياسي أدبيات مخاطبة السلطة؟ بل يجب قبل ذلك أن نسأل هل خالف الدستور؟ هل خالف القانون؟ هل اعتدى على حق دستوري أو مقتضى قانوني؟ هل تجاوز اختصاصاً لا يجوز له؟
فإذا كان الجواب بالنفي، فإن ما يتبقى هو اختلاف سياسي في الأسلوب والتقدير، دون أن يكون قضية ولاء أو مساس بالمؤسسات أو بالمقام أو بالاختصاص.
فالأخطر من كلام ابن كيران أن تصبح الثقافة السياسية عاجزة عن سماع هذه الجملة (الملك لم يجب) أو رافضة لها، وأن تعتبرها استفزازاً لمشاعر بعض من يدعون الولاء كذبا، والوطنية زورا.
فالديمقراطية لا تبدأ يوم نضع أوراق التصويت في صندوق الاقتراع.. بل تبدأ يوم يصبح مثل ذلك السؤال عادياً.. ويصبح طلب التحقيق عادياً.. وتصبح المحاسبة عادية.. ويصبح المسؤول، أيّاً كان موقعه داخل البناء الدستوري، موضوعاً للنقاش في حدود اختصاصاته وباحترام مقام المؤسسات والقانون.
أما عندما يتحول السؤال إلى جرأة، والجرأة إلى إساءة، والإساءة إلى خيانة، فنحن لا نحمي المؤسسات.. بل نحمي الصمت ونكرس الخوف.
ابن كيران لم يطالب بتجاوز الملكية.. ولم يطالب بتقليص صلاحيات الملك.. ولم يطعن في شرعية المؤسسة.
ابن كيران لم يطلب إسقاط مؤسسة.. بل تشغيلها.. وهنا ربما توجد المفارقة الأكبر.. لقد طلب من الملك أن يستعمل إمكانية يتيحها له الدستور للمساهمة في كشف حقيقة واقعة هزت الرأي العام.. فكيف يصبح طلب تفعيل الدستور عدواناً على المؤسسة التي يمنحها الدستور نفسه ذلك الموقع؟
يمكن أن نختلف مع ابن كيران في ألف قضية.. لكن من حقه أن يسأل.. ومن حق المغاربة أن يعرفوا.. ومن واجب المؤسسات أن تجعل الحقيقة أقوى من الإشاعة.. لأن السؤال الذي سيبقى بعد انتهاء هذه الضجة ليس «لماذا قال ابن كيران إن الملك لم يجبه؟»، بل السؤال الأكثر أهمية هو «لماذا لم نعرف، إلى اليوم، على نحو مؤسساتي وشفاف ومقنع، ماذا وقع في سبتة، وكيف وقع، ومن يتحمل المسؤولية عنه؟»
ذلك هو السؤال الذي يستحق التحقيق.. وذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يحميه الدستور، لا أن تخنقه المزايدات.