دموع واستغاثات في مراكش.. 48 ساعة لإفراغ أسر هشة

مطالبة بأداء 10 ملايين سنتيم مقابل شقة لا تتجاوز 67 متراً

0

الانتفاضة / إلهام أوكادير

لم يكن صباح يوم الثلاثاء من هذا الأسبوع يشبه ما اعتادته الأسر القاطنة بالسكن العشوائي غير المهيكل المحاذي لنادي القضاة بشارع آسفي بمدينة مراكش.

ففي مكان عاش فيه مايقارب الثمانية عائلات منذ سنة 1967، وكبرت فيه الأجيال، وتزوج الأبناء، وتشعبت العائلات تحت سقوف متواضعة، وجد هؤلاء أنفسهم فجأة أمام مهلة لا تتجاوز 48 ساعة لإخلاء مساكن احتضنت تفاصيل حياتهم لعقود طويلة.تبعا لذلك وللوقوف على طبيعة الوضع، انتقل طاقم جريدة الانتفاضة إلى عين المكان، حيث عاين عن قرب أوضاع الأسر المعنية، واستمع إلى شهادات رجال ونساء غلبت على أصواتهم الحيرة والخوف أكثر من الغضب، وبين جدران بيوت بسيطة، كانت الأسئلة تتردد أكثر من الأجوبة: إلى أين سنذهب؟ وكيف يمكن لعائلة كبيرة أن تبدأ حياة جديدة في ظرف يومين فقط؟ ومن أين لنا بمبلغ المساهمة هذا؟وبحسب المعطيات التي استقتها الجريدة من السكان، فقد حلت لجنة مرفوقة بالمقدم، يوم الثلاثاء 28 يوليوز 2026، وأبلغتهم بأن عليهم إخلاء مساكنهم قبل الساعة السابعة من صباح يوم  الجمعة 31 يوليوز، تمهيدا لهدمها. مهلة قصيرة وغير معقولة، يقول المتضررون: لا تكفي حتى لجمع الأمتعة، فكيف بترتيب مصير أسر استقرت في المكان منذ عشرات السنين؟

غير أن وقع الخبر لم يتوقف عند قرار الإفراغ وحده، بل امتد إلى طبيعة الحل المقترح. فالسكان يؤكدون أنهم أُبلغوا بأنهم سيستفيدون من شقق سكنية بمجمع أبواب مراكش – الضحى، لا تتجاوز مساحة الواحدة منها 67 مترا مربعا، مقابل مساهمة مالية قدرها 10 ملايين سنتيم مؤداة من قبل كل أسرة.بالنسبة لهذه العائلات، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمساحة شقة، بل بحياة كاملة يصعب اختزالها في بضعة أمتار، فالأسر التي كانت صغيرة قبل ستة عقود أصبحت اليوم تضم أبناء تزوجوا، وأحفادا ولدوا، وعائلات متعددة تعيش داخل المسكن نفسه، لذلك يرى السكان أن شقة واحدة بهذا الحجم لن تستوعب هذا الواقع، ولن توفر لهم الاستقرار الذي كانوا يأملونه بعد سنوات طويلة من الانتظار.

وخلال تصريحاتهم أفاد المتضررون بأن اللجان سبق أن زارتهم أكثر من مرة خلال الفترة الماضية، حيث قامت بإحصاء جميع أفراد الأسر، والاطلاع على بطاقات التعريف الوطنية، وعقود الزواج، وعدد الأبناء، وكل المعطيات المتعلقة بالمقيمين داخل كل منزل، وكان آخر إحصاء، حسب روايتهم، خلال شهر رمضان الماضي، وهو ما جعلهم يعتقدون بأن هذه المعطيات ستؤخذ بعين الاعتبار عند إعداد حل يناسب عدد أفراد كل أسرة.ويضيف السكان أنهم كانوا ينتظرون الاستفادة من الصيغة نفسها التي استفادت منها أسر في حي العزوزية، والمتمثلة في بقعة أرضية إلى جانب دعم مالي قدره ستة ملايين سنتيم، بما يتيح لهم بناء مساكن تستوعب أبناءهم وأحفادهم، بدل الانتقال إلى شقة يعتبرونها غير كافية لحجم أسرهم.

ولعل أكثر ما يثقل كاهل هذه الأسر، بحسب الشهادات التي استقتها الجريدة، هو المقابل المالي المطلوب. فـ10 ملايين سنتيم ليست بالنسبة إليهم مجرد رقم، بل مبلغ يبدو بعيد المنال بالنسبة لأسر تعيش أوضاعا اجتماعية هشة.

ففي المكان مسنون ومتقاعدون، وأشخاص في وضعية إعاقة، وأرامل، ونساء لا يتجاوز ما يتقاضينه من معاشات حوالي 500 درهم شهريا، إلى جانب عمال يكسبون قوت يومهم من جمع البلاستيك والخردة والأعمال البسيطة.ويؤكد هؤلاء أن مجرد التفكير في توفير هذا المبلغ يثير لديهم شعورا بالعجز، لأن مداخيلهم بالكاد تكفي لتأمين ضروريات الحياة. أما اللجوء إلى قرض بنكي حسب ما لمّح به احد أفراد السلطة المعنية بإبلاغ السكان عن الهدم، فيرون أنه ليس حلا واقعيا بالنسبة لأغلبهم، إذ إن عددا منهم لا يتوفر على دخل قار أو الضمانات التي تشترطها المؤسسات البنكية، إذ وحتى إن تمكن بعضهم من الحصول على قرض، فإن أداء الأقساط الشهرية سيظل عبئا يفوق طاقتهم، وقد يحوّل حلم السكن إلى سنوات طويلة من الديون والقلق.وخلال الزيارة الميدانية، وقفت جريدة الانتفاضة أيضا على جانب آخر من معاناة السكان، حيث أنّ هذه الأسر تعيش منذ سنوات دون ربط بشبكتي الماء والكهرباء، وكانت تعتمد على بئر حفروه بأيديهم لتوفير الماء للشرب والاستعمال اليومي. وأثناء وجود طاقم الجريدة بعين المكان، تمت معاينة هذا البئر الذي تعرض لعملية ردم حالت دون تمكن الساكنة من تأمين ماء الشرب وغيره في تصرف وصفوف باللا أخلاقي والغير إنساني، وهو ما تم توثيق بالصور، وشكل بالنسبة للسكان ضربة إضافية زادت من صعوبة ظروفهم، خاصة مع حديثهم عن انقطاع الكهرباء، في وقت يعيشون فيه وسط انتشار الحشرات والقوارض وغياب أبسط شروط العيش الكريم.وفي خضم هذه الظروف، لم تتمالك بعض النساء أنفسهن، فانهمرت دموعهن وهن يروين للجريدة خوفهن من التشرد وضياع مستقبل أبنائهن، إذ لم يكن بكاؤهن، كما عبرن، رفضا لمشاريع إعادة التأهيل أو تحسين المجال العمراني، وإنما خوفا من أن يجدن أنفسهن في مواجهة واقع جديد لا يملكن أدوات التكيف معه، ولا القدرة المالية على تحمله.

ويشدد السكان على أنهم لا يعارضون مشاريع التنمية وإعادة الهيكلة، بل يطالبون بأن تراعي الحلول المقترحة أوضاعهم الاجتماعية، وأن تمنحهم الوقت الكافي لترتيب شؤونهم، وأن يكون التعويض متناسبا مع حجم أسرهم وإمكاناتهم المادية، حتى لا تتحول عملية إعادة الإيواء، التي يفترض أن توفر لهم الاستقرار، إلى مصدر جديد للقلق والمعاناة.وفي ختام لقائهم مع جريدة الانتفاضة، وجهت الأسر نداء إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وإلى السلطات المحلية والجهات المعنية، من أجل إعادة النظر في هذا الملف، والاستماع إلى مطالبهم، وإيجاد صيغة يعتبرونها أكثر إنصافا، تضمن لهم سكنا يحفظ كرامتهم، ويمنح أبناءهم فرصة لبدء مرحلة جديدة دون أن تثقلها الديون أو يهددها شبح التشرد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.