الانتفاضة: جميلة ناصف / عدسة: محمد موزيقي
لم يعد الحديث عن مستقبل الصحافة مجرد نقاش مهني يهم العاملين داخل غرف التحرير أو المؤسسات الإعلامية، بل تحول إلى سؤال مجتمعي وسياسي وثقافي يرتبط بمستقبل الحق في المعرفة، وبكيفية إنتاج الحقيقة في عصر تتدفق فيه المعلومات بوتيرة غير مسبوقة، وتتنافس فيه المنصات الرقمية والخوارزميات على جذب انتباه الجمهور وتوجيه اهتمامه. وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعلومة وبوسائل الإعلام، أصبحت مهنة الصحافة تواجه تحديات غير مسبوقة تمس جوهر رسالتها، بدءا من أزمة الثقة، ومرورا بالتحولات الاقتصادية التي مست المقاولات الإعلامية، وصولا إلى الثورة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي، والتي غيرت قواعد إنتاج المحتوى وتداوله.
ومن هذا المنطلق، لم يكن اختيار موضوع «الصحافة اليوم: سؤال المهنية وتحدي الأخلاقيات» عنوانا للندوة العلمية التي نظمتها الفيدرالية المغربية لناشري الصحف بالموازاة مع أشغال جمعها العام العادي مجرد عنوان ظرفي، بل جاء استجابة لحاجة ملحة إلى فتح نقاش هادئ ومسؤول حول واقع الإعلام المغربي، في ضوء التحولات الرقمية العالمية، وما أفرزته من إشكالات قانونية ومهنية وأخلاقية، باتت تفرض نفسها بقوة على مختلف الفاعلين في القطاع.
وقد احتضنت مدينة مراكش، زوال يوم السبت 20 يونيو 2026، هذه الندوة الفكرية والعلمية، التي جمعت نخبة من الأكاديميين والخبراء والباحثين والإعلاميين، في لقاء امتد لساعات، تميز بعمق الطروحات، وتنوع المقاربات، بحضور رئيس الفيدرالية المغربية لناشري الصحف محتات الرقاص، مرفوقا بوفد من أعضاء مجلس الرئاسة وأعضاء المكتب التنفيذي، إلى جانب عدد من رؤساء الفروع الجهوية، ومشاركة واسعة لأرباب المقاولات الصحفية ومديري المؤسسات الإعلامية والمهنيين بمختلف أقاليم جهة مراكش آسفي. الذين تفاعلوا مع مختلف المداخلات، وطرحوا أسئلة وإشكالات تعكس حجم القلق الذي يعيشه القطاع الإعلامي، سواء على المستوى الوطني أو الجهوي.
وشارك في تأطير هذه الندوة الدكتور عبد الوهاب الرامي، أستاذ التعليم العالي والخبير في الإعلام والتواصل، والأستاذ عبد الغني بردي، الصحافي والباحث في قضايا الإعلام وأخلاقيات المهنة، والدكتور مصطفى غلمان، الكاتب والإعلامي ورئيس مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية، فيما تولى إدارة أشغالها الإعلامي والمحلل السياسي الأستاذ عبد الصمد بنشريف، المدير السابق للأخبار بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، الذي أدار النقاش بحنكة وتجربة راكمها على امتداد عقود من العمل الإعلامي، مانحا الكلمة للمتدخلين، ومفسحا المجال أمام نقاش تفاعلي أغنى مضمون الندوة.

ومنذ الدقائق الأولى، بدا واضحا أن المشاركين لا يناقشون أزمة تقنية مرتبطة بوسائط النشر، وإنما يناقشون تحولا حضاريا يمس وظيفة الإعلام نفسها، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول معنى الصحافة، ومكانة الصحفي، ودور المؤسسة الإعلامية في مجتمع أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، بينما أصبحت المصداقية أكثر ندرة من أي وقت مضى.
واستأثرت مداخلة الدكتور عبد الوهاب الرامي باهتمام كبير، بالنظر إلى المقاربة الشمولية التي قدمها، حيث انطلق من فكرة محورية مفادها أن الصحافة لا تعيش مجرد انتقال من الصحافة الورقية إلى الصحافة الرقمية، كما يعتقد كثيرون، بل تعيش انتقالا أكثر تعقيدا نحو ما وصفه بـ»بيئة التعبئة الرقمية»، وهي بيئة لم تعد فيها المؤسسات الإعلامية وحدها من يصنع الخبر أو يؤثر في الرأي العام، وإنما أصبحت جزءا من منظومة رقمية واسعة تتحكم فيها المنصات الاجتماعية والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، وتتنافس داخلها أطراف متعددة على صناعة التأثير.
وأوضح الرامي أن اختزال الأزمة في الانتقال من الورق إلى الشاشة يعد تبسيطا مفرطا لواقع أكثر تعقيدا، لأن التحول الحقيقي طال طبيعة السلطة التي كانت تمارسها الصحافة لعقود طويلة. فالصحافة التقليدية كانت تحتكر ما سماه «السلطة السردية»، أي القدرة على تحديد ما يستحق أن يصبح خبرا، وما يجب أن يعرفه الرأي العام، وكيف ينبغي تقديم الأحداث وتفسيرها. وكانت المؤسسات الإعلامية تمتلك زمام المبادرة في تشكيل النقاش العمومي، بينما كان الجمهور يؤدي دور المتلقي الذي يستهلك المعلومة دون أن يكون له تأثير يذكر في إنتاجها أو ترتيب أولوياتها.
غير أن هذه المعادلة، يضيف الرامي، تغيرت بصورة جذرية مع صعود المنصات الرقمية، حيث لم يعد الجمهور مجرد مستقبل سلبي للمعلومة، بل تحول إلى طرف فاعل في إنتاجها وإعادة توزيعها والتعليق عليها والتأثير في انتشارها. ولم تعد غرف التحرير وحدها من يحدد أجندة النقاش العام، بل أصبحت الخوارزميات، وما تفرضه من منطق الانتشار والتفاعل، شريكا أساسيا في صناعة الرأي العام.
وأكد أن ما يعرف اليوم بـ»اقتصاد الانتباه» نقل المنافسة من جودة المحتوى إلى القدرة على جذب اهتمام المستخدم لأطول مدة ممكنة، وهو ما جعل كثيرا من المنصات الرقمية تعتمد على تصميمات تقنية وخوارزميات تفضل الإثارة والجدل والمحتوى السريع على حساب العمق والتحليل، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على البيئة الإعلامية، وعلى سلوك الجمهور، وحتى على طريقة اشتغال بعض المؤسسات الصحفية.
وفي هذا السياق، توقف الرامي عند ظاهرة تراجع القراءة التقليدية، معتبرا أنها من أخطر المؤشرات التي أفرزها العصر الرقمي. فالصحافة، كما قال، كانت تقوم على قارئ يمنح النص وقته، ويتفاعل مع التحليل والحجة والبرهان، بينما أصبح جزء كبير من الجمهور اليوم يكتفي بالعناوين المختصرة والمقاطع السريعة، ويستهلك كما هائلا من المعلومات دون أن يمنح نفسه فرصة للفهم أو التحليل.
وأشار إلى أن المجتمع لم يعد يعيش زمن السرعة بقدر ما أصبح يعيش زمن التسرع، وهناك فرق كبير بين المفهومين؛ فالسرعة تقتضي الكفاءة والدقة، أما التسرع فيقود إلى الأخطاء وإلى نشر معلومات غير متحقق منها، وهو ما يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه الصحافة المهنية في زمن السباق المحموم نحو «الترند» وعدد النقرات والمشاهدات.
ولم يخف الرامي قلقه من هيمنة المنصات الاجتماعية على المجال العام، معتبرا أن هذه المنصات لم تعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبحت فاعلا أساسيا في إعادة تشكيل أولويات المجتمع، وفي التأثير على النقاش العمومي، وفي صناعة النجومية الإعلامية خارج المؤسسات الصحفية. وأصبح من الممكن، بحسب تعبيره، أن يصل شخص لا يمتلك أي تكوين إعلامي إلى ملايين المتابعين، بينما يجد صحفي محترف قضى سنوات في التكوين والممارسة نفسه عاجزا عن الوصول إلى جمهوره بسبب منطق الخوارزميات.
وفي معرض حديثه عن التحولات التي عرفتها المهنة، أشار الرامي إلى أن عددا من الصحفيين المغاربة، كما وقع في تجارب دولية عديدة، لم يعودوا يرون مستقبلهم داخل المؤسسة الصحفية التقليدية، بل اختاروا خوض تجربة العمل المستقل عبر منصات البودكاست، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى فضاء إعلامي جديد يستقطب جمهورا متزايدا. وأكد أن نجاح هذه التجارب لا ينبغي أن يقرأ باعتباره فشلا للمؤسسات الصحفية، وإنما رسالة واضحة تدعو هذه المؤسسات إلى مراجعة نماذجها الاقتصادية والتحريرية، وإعادة التفكير في علاقتها بالصحفي، حتى تظل قادرة على احتضان الكفاءات والإبداع.
وكان هذا المدخل بداية لنقاش أوسع حول جوهر المهنة، وأزمة الأخلاقيات، والاستقلالية، وأسئلة الحقيقة في زمن الذكاء الاصطناعي، وهي المحاور التي شكلت العمود الفقري لمداخلة الدكتور عبد الوهاب الرامي، قبل أن تمتد إلى مداخلات باقي المشاركين، الذين حاول كل واحد منهم مقاربة هذه التحولات من زاويته الفكرية والمهنية والحقوقية، في أفق البحث عن أجوبة عملية تضمن للصحافة المغربية قدرتها على الاستمرار، وتحافظ على رسالتها المجتمعية في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
وإذا كان المحور الأول من مداخلة الدكتور عبد الوهاب الرامي قد انطلق من تشخيص التحولات البنيوية التي يعرفها الإعلام، فإن المحور الثاني انتقل إلى جوهر الأزمة التي تعيشها الصحافة اليوم، وهي الأزمة الأخلاقية، معتبرا أن كل حديث عن مستقبل المهنة سيظل ناقصا إذا لم ينطلق من سؤال الأخلاق باعتباره حجر الزاوية في بناء صحافة مستقلة وذات مصداقية.
وأوضح الرامي أن أخلاقيات المهنة ليست مجرد نصوص قانونية أو مواد يتضمنها ميثاق أخلاقي، وإنما هي ثقافة مهنية وسلوك يومي يترجم في طريقة البحث عن المعلومة، والتحقق منها، واختيار زوايا المعالجة، واحترام كرامة الإنسان، وتقديم الحقيقة للمجتمع بعيدا عن كل أشكال التوظيف أو التضليل. ولذلك فإن الأخلاق، في نظره، لا تبدأ لحظة كتابة الخبر، وإنما تبدأ منذ اللحظة التي يقرر فيها الصحفي البحث عن الحقيقة.وأكد أن أول مدخل لترسيخ أخلاقيات المهنة يتمثل في إعادة الاعتبار لاستقلالية الصحفي، لأن الاستقلالية ليست امتيازا شخصيا، وإنما شرط أساسي لممارسة المهنة. غير أنه نبه إلى أن مفهوم الاستقلالية أصبح في السنوات الأخيرة من أكثر المفاهيم تعرضا لسوء الفهم والاستعمال، إذ يختلط عند البعض بالحياد المطلق، أو بما سماه «الحياد السلبي»، بينما يربطه آخرون بالصمت الإعلامي وعدم إبداء أي موقف.
وشدد على أن الاستقلالية ليست حيادا سلبيا، كما أنها ليست انسحابا من النقاش العمومي أو امتناعا عن معالجة القضايا الحساسة، وإنما هي قدرة الصحفي على اتخاذ قراره التحريري بحرية، بعيدا عن الضغوط السياسية والاقتصادية والإيديولوجية، مع الالتزام في المقابل بالحقيقة والدقة والإنصاف. فالصحافة، كما قال، ليست مطالبة بأن تكون بلا موقف، وإنما مطالبة بأن يكون موقفها دائما منحازا للحقيقة ولحق المجتمع في المعرفة.
وأضاف أن الصمت في بعض الأحيان قد يكون شكلا من أشكال الإخلال بالمسؤولية المهنية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تهم الصالح العام. فالامتناع عن النشر، إذا كان سببه الخوف أو الضغوط أو الحسابات الضيقة، لا يقل خطورة عن نشر معلومات غير صحيحة. ولذلك فإن الصحافة الحقيقية ليست فقط صحافة الخبر، وإنما هي أيضا صحافة السؤال، وصحافة المساءلة، وصحافة البحث عن الحقيقة مهما كانت صعوبتها.

وفي هذا السياق، توقف الرامي عند ما وصفه بأزمة الأولويات داخل المشهد الإعلامي، معتبرا أن جزءا مهما من وسائل الإعلام أصبح يخصص مساحات واسعة لموضوعات هامشية، فقط لأنها تحظى بنسبة مشاهدة مرتفعة أو تحقق انتشارا كبيرا على المنصات الرقمية، بينما يتم إهمال ملفات أكثر أهمية ترتبط بالتعليم والصحة والاقتصاد والبيئة والحريات والعدالة الاجتماعية.
وأشار إلى أن هذا الاختلال لا يرتبط فقط باختيارات الصحفيين، وإنما يرتبط أيضا بطريقة اشتغال المنصات الرقمية التي أصبحت تفرض أجندتها على وسائل الإعلام من خلال الخوارزميات. فبدل أن تحدد غرف التحرير أولويات المجتمع، أصبحت في كثير من الأحيان تلاحق ما يفرضه «الترند»، خوفا من فقدان الجمهور أو تراجع نسب المشاهدة، وهو ما يشكل، بحسب تعبيره، أحد أخطر مظاهر التحول الذي يشهده الإعلام المعاصر.
وأكد أن الصحافة المهنية مطالبة اليوم باستعادة قدرتها على ترتيب الأولويات وفق المصلحة العامة، وليس وفق عدد النقرات أو الإعجابات، لأن وظيفة الإعلام ليست فقط أن يعكس ما يثير اهتمام الناس، وإنما أيضا أن يلفت انتباههم إلى القضايا التي تؤثر في حياتهم حتى وإن لم تكن الأكثر رواجا على المنصات.
وانتقل الرامي بعد ذلك إلى الحديث عن أزمة المصطلحات الإعلامية، موضحا أن التكوين الصحفي لا ينبغي أن يقتصر على تعلم الأجناس الصحفية من خبر وربورتاج وتحقيق وحوار، لأن هذه الأدوات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء صحفي محترف. فالصحافة، في نظره، قبل أن تكون تقنية، هي معرفة، ولغة، وقدرة على توظيف المفاهيم بدقة، لأن الخطأ في استعمال المصطلح قد يقود إلى خطأ في فهم الظاهرة نفسها.
وأوضح أن عددا من المفاهيم أصبحت تستعمل بشكل فضفاض دون التمييز بين دلالاتها الحقيقية، داعيا إلى إعادة الاعتبار للجانب المعرفي والفكري في تكوين الصحفي، حتى يصبح قادرا على إنتاج خطاب إعلامي دقيق ومسؤول.
ومن بين أكثر الأسئلة التي أثارت اهتمام الحاضرين، ذلك السؤال الذي طرحه الدكتور الرامي حول العلاقة بين الوضع الاجتماعي للصحفي وأخلاقيات المهنة. فقد تساءل بصراحة: كيف يمكن أن نطالب صحفيا يعيش أوضاعا اجتماعية هشة، أو يعمل في ظروف مهنية غير مستقرة، أو لا يتوفر على الحد الأدنى من الضمانات الاجتماعية، بأن يصمد أمام مختلف الضغوط ويحافظ على استقلاليته وأخلاقياته؟
وأكد أن هذا السؤال لا يراد منه تبرير أي انحراف مهني، وإنما يسلط الضوء على واقع ينبغي الاعتراف به ومعالجته. فالصحفي الذي يعيش الهشاشة الاقتصادية يكون أكثر عرضة للتأثير والابتزاز والضغوط، بينما تشكل الاستقرار المهني والاجتماعي أحد أهم الضمانات التي تمكنه من ممارسة عمله بحرية ومسؤولية.
وأضاف أن الدفاع عن أخلاقيات المهنة لا يقتصر على الدعوة إلى احترام المواثيق والقوانين، وإنما يقتضي أيضا الدفاع عن كرامة الصحفي، وتحسين أوضاعه الاجتماعية، وتمكينه من شروط العمل اللائق، لأن الصحافة لا يمكن أن تكون مستقلة إذا كان الصحفي نفسه يفتقد إلى الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا الإطار، أكد الرامي أنه إذا اضطر للاختيار بين صحفي يمتلك قدرات تقنية عالية لكنه لا يحترم أخلاقيات المهنة، وصحفي آخر متوسط الإمكانيات لكنه ملتزم بالقيم المهنية والأخلاقية، فإنه سيختار دون تردد الصحفي الثاني، لأن المهارات يمكن اكتسابها بالتكوين والممارسة، بينما فقدان الأخلاق المهنية يهدم الثقة التي تشكل الرأسمال الحقيقي لأي صحفي أو مؤسسة إعلامية.
ولم يغفل الرامي الحديث عن التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في السؤال التقليدي: هل سيعوض الذكاء الاصطناعي الصحفي؟ بل يجب أن ينتقل إلى سؤال أكثر عمقا: كيف يمكن للصحفي أن يوظف هذه الأدوات الجديدة دون أن يفقد هويته المهنية؟ وكيف يمكن للمؤسسات الإعلامية أن تستفيد من التطور التكنولوجي مع الحفاظ على مسؤوليتها التحريرية؟
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي قادر على المساعدة في جمع المعلومات أو تلخيص الوثائق أو تحليل البيانات، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الحس الإنساني، ولا محل الضمير المهني، ولا محل القدرة على فهم السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تمنح الخبر معناه الحقيقي.
وانطلاقا من هذا التشخيص، خلص الرامي إلى أن الصحافة المغربية توجد اليوم أمام منعطف حاسم، وأن مواجهة التحديات الجديدة لا يمكن أن تتم بالأدوات القديمة. ولذلك دعا إلى إطلاق ورش حقيقي لإعادة تكوين الصحفي المغربي، ليس فقط في الجوانب التقنية المرتبطة بالوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي، وإنما أيضا في مجالات الفلسفة، وعلم الاجتماع، والقانون، والاقتصاد، والثقافة العامة، لأن الصحفي، في نهاية المطاف، ليس مجرد ناقل للمعلومات، بل فاعل في إنتاج الوعي المجتمعي.
كما شدد على ضرورة حماية الصحفي أخلاقيا واجتماعيا، باعتبار أن استقلاليته تبدأ من استقرار أوضاعه المهنية، وأن مستقبل الإعلام المغربي لن يصنعه التطور التكنولوجي وحده، وإنما سيصنعه الاستثمار في الإنسان، وفي التكوين، وفي بناء صحفي يمتلك المعرفة والضمير المهني والقدرة على التكيف مع عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
وكانت هذه الأفكار مدخلا طبيعيا للانتقال إلى مداخلة الدكتور مصطفى غلمان، الذي اختار مقاربة أكثر عمقا، مستندا إلى الفلسفة وعلم الاجتماع وتحليل التحولات البنيوية التي يعيشها الحقل الإعلامي، متسائلا ليس فقط عن مستقبل الصحافة كمهنة، وإنما عن مستقبلها كقيمة إنسانية ورمزية في زمن أصبحت فيه الخوارزميات ومنطق السوق ينافسان الحقيقة نفسها.
وانطلقت مداخلة الدكتور مصطفى غلمان من زاوية مختلفة، لكنها التقت مع ما طرحه الدكتور عبد الوهاب الرامي في جوهر الإشكال، وهو أن الأزمة التي يعيشها الإعلام اليوم لم تعد مجرد أزمة مهنية أو تقنية، بل تحولت إلى أزمة فكرية وقيمية تمس الأسس التي قامت عليها الصحافة الحديثة. لذلك اختار لمداخلته عنوانا دالا: «الصحافة بين المهنية والأخلاق… أي أفق لاستمرارية المهنة في زمن التفكك الإعلامي؟ قراءة في تحولات الحقل الإعلامي بين ضغط السوق والمنصات الرقمية وأزمة المرجعيات».
واعتبر غلمان أن اللحظة التي يعيشها الإعلام المغربي ليست لحظة عادية في تاريخه، وإنما لحظة مفصلية تتقاطع فيها الأسئلة المهنية مع الأسئلة الحقوقية، وتتداخل فيها رهانات الحرية مع رهانات السوق، وتتجاور فيها تحديات الرقمنة مع تحديات المعنى. وأضاف أن النقاش حول مستقبل الصحافة لا ينبغي أن ينحصر في الحديث عن التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي أو وسائل التواصل الاجتماعي، لأن هذه كلها مظاهر لتحول أعمق يطال وظيفة الإعلام نفسها وموقعه داخل المجتمع.
وأوضح أن الأزمة التي يعيشها الإعلام اليوم أعمق بكثير من أزمة المؤسسات أو الأجور أو الدعم العمومي أو التنظيم المهني، لأنها في جوهرها أزمة الفكرة التي قام عليها الإعلام الحديث. وقال إن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف ندبر قطاع الإعلام؟ وإنما كيف نحافظ على المعنى الاجتماعي للإعلام في زمن أصبح فيه المعنى نفسه عرضة للتآكل، وأصبح الخبر ينافسه المحتوى السريع، والتحليل تزاحمه الإثارة، والحقيقة تحاصرها الخوارزميات.
وفي المحور الأول من مداخلته، الذي خصصه للتحولات البنيوية للحقل الإعلامي وصعود ما سماه بـ»منطق السوق»، أوضح أن وسائل الإعلام لم تعد تشتغل فقط وفق معايير المصلحة العامة، بل أصبحت تخضع بدرجات متفاوتة لضغط السوق والإعلانات ونسب المشاهدة والتفاعل. وهذا التحول، في رأيه، لم يغير فقط طريقة إنتاج الأخبار، بل غير فلسفة العمل الإعلامي نفسها، إذ انتقل الاهتمام من إنتاج المعرفة إلى إنتاج المحتوى، ومن بناء الرأي العام إلى البحث عن أكبر عدد من المشاهدات.
وتساءل غلمان: ماذا يحدث عندما يصبح الإعلام، بدل أن يكون منتجا للمعنى، مجرد منتج للمحتوى؟ ماذا يحدث عندما يتحول الخبر إلى سلعة، والحقيقة إلى مادة استهلاكية، والانتباه إلى رأسمال اقتصادي تتنافس عليه المنصات الرقمية؟ ورأى أن هذه الأسئلة لا تخص المغرب وحده، بل تعبر عن أزمة عالمية تعيشها المؤسسات الإعلامية في مختلف أنحاء العالم.
وأكد أن منطق السوق، رغم ضرورته لاستمرار المؤسسات الإعلامية، لا ينبغي أن يتحول إلى المعيار الوحيد الذي يحكم العمل الصحفي، لأن الصحافة ليست مشروعا تجاريا صرفا، بل مرفق مجتمعي يؤدي وظيفة ديمقراطية وثقافية ومعرفية، وإذا فقد هذه الوظيفة فإنه يفقد مبرر وجوده.
وأشار إلى أن المنصات الرقمية استطاعت، خلال سنوات قليلة، أن تستحوذ على جزء كبير من سوق الإعلانات والانتباه، وهو ما أثر بشكل مباشر على الموارد المالية للمؤسسات الإعلامية التقليدية، وجعلها تدخل في سباق محموم للحفاظ على جمهورها، أحيانا على حساب الجودة والعمق.

وفي المحور الثاني، الموسوم بـ»سؤال المهنية والأخلاق في زمن المنصات الرقمية»، أكد غلمان أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في وجود التكنولوجيا، وإنما في طريقة استخدامها وفي القيم التي تؤطرها. فالمنصات الرقمية، بحسب تعبيره، ليست خيرا مطلقا ولا شرا مطلقا، لكنها فرضت واقعا جديدا تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الصحفي والمؤثر، وبين الخبر والرأي، وبين المعلومة والإشاعة.
وأوضح أن أخطر ما أفرزته البيئة الرقمية هو إضعاف المرجعيات المهنية التي كانت تضبط العمل الصحفي. ففي السابق، كانت المؤسسة الإعلامية هي التي تمر عبرها الأخبار، وتخضع لمستويات متعددة من التحرير والمراجعة والتدقيق، أما اليوم فقد أصبح بإمكان أي شخص أن ينشر محتوى يصل إلى ملايين الناس في دقائق معدودة، دون أن يخضع لأي رقابة مهنية أو أخلاقية.
وأضاف أن هذا الوضع خلق نوعا من المساواة الوهمية بين الصحفي المحترف وصانع المحتوى، رغم أن الأول يخضع لمسؤوليات قانونية وأخلاقية، بينما لا يخضع الثاني غالبا لأي التزام مهني. ومن هنا، يقول غلمان، تضعف الفوارق في نظر الجمهور بين العمل الصحفي الرصين والمحتوى العابر، وهو ما ينعكس على صورة المهنة وثقة المجتمع فيها.
وأشار إلى أن الخوارزميات أصبحت تمتلك قدرة هائلة على توجيه النقاش العمومي، بل وأحيانا على صناعة أولويات الرأي العام، لأنها تتحكم في ما يظهر للمستخدمين وما يختفي عنهم، وهو ما يجعل المؤسسات الإعلامية مطالبة بإعادة التفكير في أدواتها، دون أن تتخلى عن رسالتها الأساسية.
وفي المحور الثالث، الذي حمل عنوان «مستقبل الصحافة المغربية بين منطق السوق وضرورة الديمقراطية»، دعا غلمان إلى تجاوز النظرة الضيقة التي تختزل مستقبل الصحافة في الجانب الاقتصادي، معتبرا أن الصحافة لا يمكن أن تستمر إلا داخل مجتمع ديمقراطي يحترم حرية التعبير، ويؤمن بالتعددية، ويعتبر الحق في المعرفة من الحقوق الأساسية للمواطن.
وأكد أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل المهنيين اليوم ليس فقط: ما مستقبل الصحافة كمهنة؟ بل: ما مستقبل الصحافة كقيمة؟ وهل ما زالت قادرة على أداء دورها التاريخي كسلطة رمزية وأخلاقية؟ وهل ما زالت قادرة على الدفاع عن حق المجتمع في المعرفة؟ وهل تستطيع إنتاج الحقيقة العمومية وسط الضجيج الرقمي الهائل؟
وأضاف أن هذه الأسئلة تزداد إلحاحا في زمن أصبح فيه كل شخص قادرا على النشر والتأثير، متسائلا: كيف يمكن أن تكون صحفيا في زمن يستطيع فيه الجميع إنتاج المحتوى؟ وما الذي يميز الصحفي عن غيره إذا لم يكن الالتزام بالتحقق، والمسؤولية، والأخلاق، والقدرة على تفسير الوقائع ووضعها في سياقاتها؟
واستند غلمان في تحليله إلى أفكار عدد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع، من بينهم كارل ياسبرز وبيير بورديو، ليؤكد أن الصحافة مطالبة اليوم باستعادة سلطتها الرمزية، ليس من خلال الصراع مع المنصات الرقمية، وإنما عبر تعزيز جودة المحتوى، والدفاع عن الحقيقة، وإعادة بناء الثقة مع الجمهور.
وأكد أن المعركة الحقيقية ليست مع التكنولوجيا، وإنما مع اختزال الإعلام في منطق السوق، لأن المجتمع الذي يفقد صحافة مستقلة ومهنية يفقد إحدى أهم أدوات الرقابة والمساءلة والدفاع عن الديمقراطية.
وشهدت هذه المداخلة تفاعلا كبيرا من الحضور، الذين ناقشوا العلاقة بين التحولات الرقمية ومستقبل المقاولات الإعلامية المغربية، كما أثار عدد من الصحافيين إشكالات مرتبطة بصعوبة تمويل الإعلام الجهوي، وتراجع عائدات الإعلانات، وتأثير ذلك على جودة الإنتاج الصحفي، إضافة إلى هيمنة المنصات الرقمية على سوق الإشهار واستقطابها الجزء الأكبر من انتباه الجمهور.
ومن بين الأسئلة التي طُرحت أيضا، مدى قدرة التشريعات الوطنية على مواكبة التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، وهل أصبح من الضروري التفكير في قواعد قانونية جديدة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الإعلامية، وتفرض قدرا من الشفافية بشأن المحتوى المنتج أو المساعد بواسطة هذه التقنيات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية الابتكار وعدم عرقلة التطور التكنولوجي.
وقد شكلت هذه الأسئلة جسرا للانتقال إلى مداخلة الأستاذ عبد الغني بردي، الذي تناول الموضوع من زاوية حقوقية، مسلطا الضوء على العلاقة بين الصحافة وحقوق الإنسان، وعلى التحديات الجديدة التي فرضتها البيئة الرقمية على الحق في الإعلام والحق في الوصول إلى المعلومات، معتبرا أن مستقبل الصحافة لا ينفصل عن مستقبل الحقوق والحريات في المجتمع.
واختار الأستاذ عبد الغني بردي أن يقترب من موضوع الندوة من زاوية حقوقية، انطلاقا من تجربته في مجال الإعلام وأخلاقيات المهنة، ومن اشتغاله داخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، حيث أكد أن الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الأخبار، وإنما أصبحت جزءا من المنظومة الكونية لحقوق الإنسان، باعتبارها الضامن الأساسي للحق في الوصول إلى المعلومة، والحق في التعبير، والحق في المشاركة في النقاش العمومي.
وأوضح بردي أن التحولات الرقمية التي يشهدها العالم، وما رافقها من صعود المنصات الاجتماعية، فرضت واقعا جديدا أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي، في كثير من الأحيان، مصدرا للأخبار بدل أن تكون الصحافة هي المصدر الأول الذي تستقي منه هذه المنصات معلوماتها. واعتبر أن هذا التحول يطرح تحديات كبيرة أمام المؤسسات الإعلامية، لأنه يفرض عليها التنافس مع منصات لا تخضع في الغالب للضوابط المهنية نفسها، ولا تتحمل المسؤوليات القانونية والأخلاقية التي تتحملها المؤسسات الصحفية.
وأشار إلى أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان ينظر إلى الصحفي باعتباره، في كثير من الحالات، مدافعا عن حقوق الإنسان، لأنه يساهم في كشف الانتهاكات، وإيصال صوت الفئات الهشة، والدفاع عن الحق في المعرفة، ومراقبة السياسات العمومية. ومن هذا المنطلق، فإن حماية الصحفي لا ترتبط فقط بحماية مهنة، وإنما بحماية إحدى الآليات الأساسية لصون الحقوق والحريات.

وأكد أن البيئة الرقمية أفرزت وافدا جديدا على المجال الإعلامي، يتمثل في المنصات الرقمية الكبرى، التي تمتلك إمكانات هائلة في التأثير والانتشار، لكنها لا تلتزم دائما بالأهداف النبيلة للإعلام، ولا تضع في مقدمة أولوياتها احترام الحقيقة أو حماية المصلحة العامة، بقدر ما تحكمها اعتبارات اقتصادية وتجارية تقوم على تعظيم نسب التفاعل والمشاهدة.
واعتبر بردي أن هذا الواقع يفرض التفكير في تطوير المنظومة القانونية الوطنية والدولية، حتى تصبح أكثر قدرة على مواكبة التحولات الرقمية، خصوصا في ما يتعلق بحماية المعطيات الشخصية، ومواجهة حملات التضليل، وضمان الحق في الوصول إلى المعلومات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية التعبير باعتبارها أحد الأسس التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية.
كما استعرض عددا من التجارب التي أشرف عليها المجلس الوطني لحقوق الإنسان في مجال تكوين الصحافيات والصحافيين، خاصة في ما يتعلق بتغطية الانتخابات، ورصد الاستحقاقات الديمقراطية، مؤكدا أن التكوين لم يعد ترفا، بل أصبح ضرورة مهنية وأخلاقية، لأن الصحفي الذي لا يواكب تطور التشريعات والمعايير الدولية لحقوق الإنسان سيجد صعوبة في أداء رسالته في بيئة إعلامية معقدة ومتغيرة.
وأجمع المتدخلون، خلال النقاش المفتوح الذي أعقب العروض، على أن الذكاء الاصطناعي أصبح حقيقة لا يمكن تجاهلها، وأن المطلوب اليوم ليس مقاومته أو التخوف منه، وإنما وضع إطار مهني وأخلاقي يضمن استخدامه بطريقة مسؤولة داخل المؤسسات الإعلامية. وأثيرت خلال النقاش مجموعة من الأسئلة الجوهرية: أين يقف التشريع الوطني من هذا التطور؟ وهل تملك الدولة آليات كافية لمواكبة هذا التحول؟ وما هي الإجراءات الكفيلة بالحد من انتشار التفاهة الرقمية، وحماية جودة المحتوى الإعلامي؟
ورأى عدد من المتدخلين أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى أداة مساعدة للصحفي، لا بديلا عنه، وأن استعماله ينبغي أن يكون خاضعا للتوجيه البشري، وللتحقق والتحرير، مع اعتماد مبدأ الشفافية كلما كان للمحتوى المنتج أو المعدل بواسطة هذه التقنيات أثر على المتلقي.
كما أكد المشاركون أن المعركة الحقيقية ليست مع التكنولوجيا، وإنما مع الكسل المعرفي، ومع الاستسهال في إنتاج المحتوى، ومع ثقافة النسخ واللصق التي بدأت تتسلل إلى بعض الممارسات الإعلامية. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يستطيع أن يعوض الحس النقدي، ولا الخبرة الميدانية، ولا القدرة على بناء العلاقات مع المصادر، ولا المسؤولية الأخلاقية التي يتحملها الصحفي أمام المجتمع.
وفي هذا السياق، أجمع الحاضرون على أن الاستثمار الحقيقي في مستقبل الإعلام يبدأ بالاستثمار في الإنسان، من خلال التكوين الأساسي، والتكوين المستمر، وتشجيع البحث العلمي، والانفتاح على العلوم الإنسانية والاجتماعية، لأن الصحفي ليس مجرد تقني يجيد استعمال الأدوات الرقمية، وإنما مثقف يمتلك القدرة على الفهم والتحليل وربط الوقائع بسياقاتها.
ولذلك، شدد عدد من المتدخلين على أن إعادة الاعتبار للقراءة تمثل إحدى أهم أولويات المرحلة المقبلة، لأن الصحفي الذي لا يقرأ لا يستطيع أن يكتب بعمق، ولا أن ينتج مقالا تحليليا أو تحقيقا استقصائيا أو رأيا رصينا. فالقراءة، كما أكد المشاركون، ليست هواية، وإنما جزء من التكوين المهني، وهي التي تمنح الصحفي الثروة اللغوية، والقدرة على التحليل، والوعي التاريخي، والمرجعية الفكرية التي يحتاج إليها لفهم العالم وتفسيره.
ولم يقتصر النقاش على الجوانب الفكرية، بل امتد إلى واقع المقاولات الصحفية الجهوية، حيث عبر عدد من الصحافيين عن انشغالهم بتراجع الدعم، وصعوبة الولوج إلى المعلومة، وتحول عدد من المؤسسات والقطاعات إلى الاعتماد على صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي لنشر الأخبار، بدل التواصل المنتظم مع وسائل الإعلام المهنية، وهو ما اعتبره عدد من المتدخلين اختلالا يمس مبدأ تكافؤ الفرص، ويضعف الدور الذي تضطلع به الصحافة الوطنية والجهوية في خدمة المجتمع.
وفي ختام الندوة، تناول رئيس الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، محتات الرقاص، الكلمة، مؤكدا أن تنظيم هذه الندوة ينسجم مع الرؤية التي تأسست عليها الفيدرالية، والقائمة على جعل النقاش الفكري والعلمي جزء من العمل المهني، وليس نشاطا موازيا له. وأوضح أن الفيدرالية، منذ تأسيسها، اختارت الاشتغال بعيدا عن أي غرض سياسي أو نقابي، واضعة نصب أعينها الدفاع عن حرية الصحافة، وحرية تداول الأخبار، وحرية التعبير والرأي، والحق في الإعلام والمعرفة.

وأضاف نفس المتحدث، أن من بين الأهداف المركزية للفيدرالية النهوض بمهنة الصحافة، وترسيخ احترام أخلاقيات المهنة وأعرافها، والدفاع عن المصالح المادية والمعنوية والمهنية للمقاولات الإعلامية، والعمل على عصرنة القطاع وتأهيله حتى يكون في مستوى التحولات التي يعرفها العالم، إلى جانب تمكين الإعلام الوطني من الشروط الكفيلة بالارتقاء بأدائه وخدمة القارئ والمجتمع.
وأكد الرقاص أن التكوين المستمر لم يعد خيارا، وإنما أصبح ضرورة تفرضها التحولات المتلاحقة في عالم الإعلام، داعيا الصحافيات والصحافيين إلى الانفتاح على كل أشكال المعرفة، وإلى الاستثمار في القراءة، باعتبارها المدخل الحقيقي لبناء صحفي يمتلك شخصية مهنية مستقلة، وقادرا على مواكبة التطورات التكنولوجية دون التفريط في المبادئ التي قامت عليها المهنة.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أن مستقبل الصحافة المغربية لن تصنعه الخوارزميات، ولن تحدده تطبيقات الذكاء الاصطناعي أو أرقام المشاهدات والتفاعل على المنصات الرقمية، بل سيبنيه الصحفي القادر على الجمع بين المعرفة والمهنية والاستقلالية والأخلاق، والمؤسسة الإعلامية التي تستثمر في الرأسمال البشري، وتحمي كرامة صحافييها، وتعيد بناء جسور الثقة مع المجتمع في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، بينما بقيت المصداقية هي القيمة الأكثر ندرة والأغلى ثمنا.
وأكد المشاركون أن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا يمكن أن تكون بديلا عن العقل البشري، ولا عن الحس النقدي، ولا عن المسؤولية الأخلاقية التي تميز العمل الصحفي. فمستقبل المهنة لن يبنى على الأدوات الرقمية وحدها، وإنما على إعادة الاعتبار للمعرفة والثقافة والقراءة والتكوين المستمر، باعتبارها الركائز الأساسية لصناعة صحفي قادر على فهم التحولات المتسارعة، وتحليلها، وإنتاج محتوى مهني يضيف قيمة حقيقية للنقاش العمومي.
وشدد المتدخلون على أن الصحفي الذي يتوقف عن القراءة يتوقف، في المقابل، عن التطور، لأن الكتاب والمعرفة والاطلاع المستمر تظل المصدر الأول لتكوين الشخصية المهنية، وصقل اللغة، وتعزيز القدرة على التحليل والتفسير، وهي مؤهلات لا يمكن لأي تقنية أو برنامج ذكي أن يعوضها أو يمنحها بشكل آلي.
وخلصت الندوة إلى أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الصحافة اليوم لا يتمثل في منافسة التكنولوجيا أو مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل في توظيف هذه الأدوات بما يخدم الرسالة الإعلامية ويحافظ على جوهرها. فالصحافة ستظل رسالة قبل أن تكون مهنة، ومسؤولية مجتمعية قبل أن تكون صناعة اقتصادية، وسلطة أخلاقية ورمزية قبل أن تكون منتجا رقميا. وبين ضغوط السوق، وسطوة المنصات الرقمية، وتسارع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يبقى الرهان الأكبر هو بناء إعلام وطني مستقل، يحترم أخلاقيات المهنة، ويدافع عن الحق في الحقيقة، ويعيد الاعتبار للمعرفة، ويكرس الوعي النقدي، بما يضمن استمرار الصحافة كأحد أعمدة الديمقراطية والتنمية وبناء مجتمع واع ومستنير.

التعليقات مغلقة.