الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد
مع إطلالة عاشوراء كل عام، يستيقظ في اقليم قلعة السراغنة، كما في سائر المدن المغربية، تراث احتفالي ممتد في الذاكرة، لكنه هذه المرة يصطدم بواقع مزعج وخطير في آنٍ واحد. فما كان يُعدّ مناسبة للتآزر والبهجة، تحوّل لدى البعض إلى ساحة لاستعراض القوة عبر أصوات مدوية تهزّ جدران المنازل، وتغرس الرعب في قلوب الكبار قبل الصغار. إنها ظاهرة استعمال المفرقعات والقنابل الصوتية التي تخرج من إطار اللعب البريء إلى دائرة الإزعاج الممنهج، بل إلى تهديد حقيقي للسلامة الجسدية.
وبينما ينتظر الأطفال حلول هذه الأيام بفارغ الصبر، يكون الأهالي على موعد مع ليالٍ تنعدم فيها الراحة، وتضطرب فيها ساعات النوم بسبب انفجارات تُحدِثها أيادٍ صغيرة لا تدرك عواقبها الوخيمة. فالمفرقعات التي تصل إلى هذه الفئة العمرية الهشة ليست مجرد أدوات ضوضاء، بل هي قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في الوجوه أو الأطراف، تاركةً ندوباً جسدية ونفسية تبقى طويلاً بعد أن تخبو أصوات الاحتفال. والأخطر أن هذا الاستخدام العشوائي لا يقتصر على النهار، بل يمتد إلى ساعات الليل المتأخرة، محوّلاً الأحياء السكنية إلى ساحات حرب وهمية، والمارة إلى فريسة لخوف لا مبرر له.
وما يزيد الطين بلة هو سهولة تداول هذه المواد الخطيرة في الأسواق الموازية وبعض المحلات التي تتغاضى عن القوانين المنظمة، وكأن الأمر لا يعدو كونه سلعة موسمية رائجة. ففي غياب رقابة صارمة، تصبح المفرقعات في متناول يد كل طفل، دون أن يسأل بائعها عن عمره أو عن الخطر الذي قد يشكله استعمالها. هذا التساهل يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ننتظر وقوع كارثة حقيقية لنُدرك أن الفرحة لا تُبنى على حساب الإزعاج، ولا يُضحّى بسلامة المواطنين من أجل لحظات عابرة من الصخب؟
مواطنو اقليم قلعة السراغنة، الذين باتوا يعانون من هذه الأصوات المدوية، لم يجدوا بداً من التعبير عن استيائهم، مطالبين بتحرك جاد من السلطات المحلية لتشديد المراقبة، ومن الأسر بتحمل مسؤوليتها في توجيه أبنائها نحو احتفالات بديلة تحافظ على روح عاشوراء دون إرهاب الجيران. فالسكينة حق للجميع، ولا يمكن لمناسبة دينية واجتماعية أن تتحول إلى ذريعة لانتهاك حرمة الراحة العامة.
في المحصلة، تبقى عاشوراء مناسبة لتجديد الروابط الإنسانية، وليس لتكسيرها بضوضاء عابثة. وإن كان الحل يكمن في وعي جماعي يدرك أن الاحتفال الحقيقي ليس في إزعاج الآخرين، بل في مشاركتهم الفرح بأشكال سلمية ومسؤولة. فالمطلوب اليوم هو تضافر جهود المدرسة والأسرة والسلطة، لنشر ثقافة احتفالية راقية، تجعل من عاشوراء ذكرى للخير والعطاء، لا مناسبة للخوف والفوضى. فهل ننجح في استعادة جوهر هذه المناسبة قبل أن تسرق منها المفرقعات بريقها المعنوي وتُفقِدها معناها الإنساني؟