الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
لم يعد ملف مشروع E26 أطلس 2 – أبواب مراكش مجرد خلاف بين منعش عقاري ومقتني شقق، بل تحول إلى قضية حقوقية واجتماعية تضع مئات الأسر في مواجهة انتظار مفتوح أنهكها ماليا ونفسيا، ودفع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع المنارة بمراكش، إلى الدخول على خط الملف عبر مراسلة رسمية وجهتها إلى رئيس الحكومة، ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ووالي جهة مراكش آسفي، ورئيسة المجلس الجماعي لمراكش، مطالبة بتدخل عاجل لإنصاف المتضررين وكشف أسباب تعثر تسليم المشروع وترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية.
وتأتي هذه الخطوة بعد توصل الجمعية بشكاية جماعية موقعة من عدد من المستفيدين الذين يؤكدون أنهم أبرموا عقود اقتناء شققهم بناء على وعود واضحة بتسليمها داخل آجال محددة، قبل أن يصطدموا بتأخيرات متكررة ومفتوحة، رغم وفائهم بجميع التزاماتهم المالية. فقد لجأت غالبية هؤلاء إلى الاقتراض من المؤسسات البنكية، وسخرت مدخراتها، ورتبت أوضاعها الأسرية والاجتماعية على أساس مواعيد التسليم المعلنة، غير أن تلك الوعود تحولت، بحسب إفاداتهم، إلى سلسلة من التأجيلات دون تفسير مقنع أو جدول زمني واضح ينهي حالة الانتظار.
وتفيد المعطيات التي استندت إليها الجمعية بأن المشروع يوجد في مرحلة متقدمة من الإنجاز، وأن ما يؤخر تسليم الشقق يتمثل أساسا في استكمال بعض الإجراءات الإدارية، وعلى رأسها الحصول على رخصة السكن وشهادة المطابقة. غير أن استمرار هذا الوضع، في ظل غياب تواصل رسمي يوضح أسباب التعطيل والجهة التي تتحمل مسؤوليته، جعل مئات الأسر تعيش حالة من القلق وعدم اليقين، بينما تواصل أداء أقساط القروض البنكية بالتوازي مع واجبات الكراء، في معادلة مالية أصبحت تثقل كاهلها شهرا بعد آخر.
ولا يتعلق الأمر، بحسب الجمعية، بخسائر مالية فقط، بل بمعاناة اجتماعية ونفسية متواصلة، إذ اضطرت أسر كثيرة إلى تأجيل الاستقرار في مساكنها، وإعادة ترتيب مشاريعها العائلية، وتحمل مصاريف إضافية لم تكن في الحسبان، في وقت كانت تنتظر فيه الانتقال إلى مساكن دفعت ثمنها أو الجزء الأكبر منه. كما أن بعض المستفيدين قاموا بأداء ما تبقى من ثمن الشقق بعد تلقيهم إشعارات تفيد بقرب التسليم، وهو ما رفع سقف التوقعات قبل أن يصطدموا باستمرار التأخير.

وترى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن هذه القضية تجاوزت الإطار التعاقدي الضيق، وأصبحت تمس بشكل مباشر حقوقا دستورية مكفولة للمواطنين، وفي مقدمتها الحق في السكن اللائق، وحماية المستهلك، والأمن التعاقدي، والثقة المشروعة في المعاملات. ولذلك استندت في مراسلتها إلى مقتضيات دستور سنة 2011، الذي يلزم الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتعبئة الوسائل اللازمة لضمان الحق في السكن، كما يؤكد على مبادئ احترام القانون، وجودة الخدمات العمومية، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحق المواطنين في تتبع مآل تظلماتهم.
ولم تغفل المراسلة المرجعية الدولية، حيث ذكرت بالتزامات المغرب بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي ينص على حق كل شخص في سكن ملائم، وبالتفسيرات الصادرة عن اللجنة الأممية المختصة، والتي تؤكد أن الحق في السكن لا يقتصر على توفير جدران وسقف، بل يشمل أيضا الأمن القانوني والاستقرار والحماية من كل وضع قد يؤدي إلى الهشاشة السكنية أو انعدام الشعور بالأمان.
ومن زاوية أخرى، اعتبرت الجمعية أن الوقائع المعروضة تثير مقتضيات القانون رقم 31.08 المتعلق بحماية المستهلك، خاصة ما يرتبط بحق المستهلك في الحصول على معلومات دقيقة وواضحة، وحماية مصالحه الاقتصادية، واحترام قواعد الشفافية وحسن النية في تنفيذ العقود. فالمستفيدون، بحسب ما جاء في المراسلة، التزموا بجميع واجباتهم المالية، بينما لم يحصلوا في المقابل على احترام الآجال التي كانت أساس قرارهم بالتعاقد، وهو ما يطرح، في نظر الجمعية، مسألة الإخلال بالالتزامات التعاقدية وما قد يترتب عنها من آثار قانونية وتعويضية.
كما أحالت الجمعية على القواعد العامة الواردة في قانون الالتزامات والعقود، التي تجعل العقد شريعة للمتعاقدين، وتلزم الأطراف بتنفيذه بحسن نية، مع ترتيب المسؤولية عن كل تأخير أو إخلال يترتب عنه ضرر للطرف الآخر. وترى أن تنفيذ الالتزام لا يقتصر على تسليم الشقة في نهاية المطاف، وإنما يشمل أيضا احترام الآجال المعقولة وعدم تحميل المقتنين أعباء مالية واجتماعية إضافية بسبب تأخير غير مبرر.
وفي الجانب الإداري، شددت الجمعية على أن استكمال مسطرة الحصول على رخصة السكن وشهادة المطابقة يخضع للقوانين المنظمة للتعمير والبناء، غير أن ذلك لا يعفي السلطات المختصة من مسؤوليتها في معالجة الملفات داخل آجال معقولة، وتذليل العراقيل الإدارية متى كانت الشروط القانونية مستوفاة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمشروع سكني يهم مئات الأسر، ويؤدي استمرار تعطله إلى المساس بحقوق اجتماعية أساسية.
وتعتبر الجمعية أن غياب توضيحات رسمية بشأن مآل المشروع وأسباب التأخير ينعكس سلبا على الثقة في الإدارة وفي سوق العقار، ويطرح تساؤلات مشروعة حول مدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة والأمن القانوني والشفافية، وهي مبادئ أضحت تشكل ركائز أساسية في المنظومة الدستورية المغربية.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، دعت الجمعية السلطات المعنية إلى فتح تحقيق إداري وقانوني مستعجل لتحديد المسؤوليات، سواء تعلق الأمر بالمنعش العقاري أو بالإدارة أو بأي جهة أخرى، مع التعجيل باستكمال إجراءات التسليم إذا كانت الشروط القانونية متوفرة، وتمكين المستفيدين من معطيات دقيقة ومحينة حول الوضعية القانونية للمشروع، وإلزام المنعش العقاري بتحديد آجال حقيقية وملزمة للتسليم بدل الاكتفاء بوعود متكررة لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
كما طالبت بفتح حوار مباشر مع ممثلي المتضررين والجمعية، وإطلاعهم على مختلف الإجراءات المتخذة لمعالجة الملف، إلى جانب دراسة سبل جبر الضرر الذي لحق بالأسر نتيجة تراكم واجبات الكراء، وأقساط القروض البنكية، والمصاريف الإضافية، فضلاً عن الأضرار النفسية والاجتماعية التي خلفها هذا التأخير.
ويعيد هذا الملف إلى الواجهة إشكالية الحكامة في المشاريع السكنية الكبرى، وحدود الرقابة على احترام الالتزامات المعلنة للمستهلكين، كما يسلط الضوء على الحاجة إلى تعزيز آليات حماية المقتنين وربط المسؤولية بالمحاسبة كلما تعلق الأمر بمشاريع تؤثر بشكل مباشر في استقرار الأسر وحقها في السكن الكريم. فالقضية اليوم لا تخص فقط مشروعا عقاريا تأخر تسليمه، وإنما تمس الثقة في المعاملات العقارية، وفعالية المؤسسات المكلفة بحماية الحقوق، ومدى قدرة الإدارة على التدخل في الوقت المناسب لتفادي تحول التأخير الإداري أو التعاقدي إلى أزمة اجتماعية تمس مئات الأسر. لذلك يبدو أن الرسالة التي وجهتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لا تقتصر على المطالبة بتسريع تسليم مشروع سكني، بل تفتح نقاشا أوسع حول مسؤولية الدولة والمنعشين العقاريين في ضمان الأمن السكني، واحترام الحقوق الدستورية للمواطنين، وصيانة الثقة التي تشكل أساس كل تعاقد وكل استثمار في قطاع يعد من أكثر القطاعات ارتباطا بالاستقرار الاجتماعي.