موجات الحر لم تعد مجرد طقس صيفي.. خطر صحي يهدد ملايين البشر

0

الانتفاضة / مهدي الكريمي (صحفي متدرب)

مع كل صيف جديد، تتصدر موجات الحر نشرات الأخبار في مختلف أنحاء العالم، لكنها لم تعد مجرد ظاهرة موسمية عابرة أو أيام قليلة من الطقس الحار، بل تحولت إلى أحد أخطر التحديات الصحية المرتبطة بالتغير المناخي. وتشهد منطقة شمال إفريقيا، وفي مقدمتها المغرب، ارتفاعًا متسارعًا في درجات الحرارة، مع موجات حر أصبحت أطول وأكثر شدة وتكرارًا، الأمر الذي يرفع من مخاطر الإصابة بأمراض خطيرة ويزيد الضغط على المنظومات الصحية.

وتؤكد الدراسات الحديثة أن الحرارة الشديدة تتسبب سنويًا في مئات آلاف الوفيات حول العالم، بينما يحذر الخبراء من أن هذا الرقم قد يرتفع بشكل كبير خلال العقود المقبلة إذا استمرت التغيرات المناخية بالوتيرة الحالية.

وفي المغرب، سجلت السنوات الأخيرة درجات حرارة قياسية تجاوزت 48 درجة مئوية في عدد من المناطق، وهو ما يعكس التحول المناخي الذي تعرفه البلاد، ويستدعي تعزيز إجراءات الوقاية والجاهزية الصحية لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.

ولا تقتصر آثار موجات الحر على الشعور بالإرهاق أو الانزعاج، بل تمتد إلى مختلف أجهزة الجسم. فعندما ترتفع حرارة الجو لفترات طويلة، يجد الجسم صعوبة في التخلص من الحرارة الزائدة، ما يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من الماء والأملاح عبر التعرق، وهو ما يسبب الجفاف والإجهاد الحراري، وقد يتطور في الحالات الخطيرة إلى ضربة شمس تهدد الحياة.

وتشمل أبرز الأعراض التي تستوجب الانتباه العطش الشديد، والدوخة، والصداع، والتعب غير المعتاد، وتسارع ضربات القلب، وانخفاض كمية البول، فيما تستدعي حالات فقدان الوعي أو ارتفاع حرارة الجسم بشكل كبير أو الارتباك الذهني التدخل الطبي العاجل.

وتؤثر الحرارة المرتفعة أيضًا على القلب والأوعية الدموية، إذ تزيد من العبء الواقع على القلب، ما يرفع احتمالات الإصابة بالنوبات القلبية واضطرابات نبض القلب والسكتات الدماغية، خصوصًا لدى كبار السن ومرضى القلب والشرايين. كما قد تؤدي إلى القصور الكلوي الحاد نتيجة الجفاف، وتفاقم أمراض الجهاز التنفسي كالربو، إضافة إلى تأثيرها على الصحة النفسية من خلال زيادة اضطرابات النوم والقلق وضعف التركيز.

وتبقى بعض الفئات أكثر عرضة للمضاعفات من غيرها، وفي مقدمتها كبار السن الذين تتراجع لديهم قدرة الجسم على تنظيم الحرارة، والأطفال والرضع، والنساء الحوامل، ومرضى السكري والقلب والكلى والجهاز التنفسي، فضلًا عن العمال الذين يقضون ساعات طويلة تحت أشعة الشمس المباشرة.

ويرى المختصون أن الوقاية تظل السلاح الأكثر فاعلية لمواجهة مخاطر الحر الشديد، وذلك من خلال شرب الماء بانتظام دون انتظار الشعور بالعطش، والابتعاد عن التعرض المباشر للشمس خلال ساعات الذروة، وارتداء الملابس الخفيفة والفاتحة، والحرص على البقاء في أماكن جيدة التهوية أو مكيفة قدر الإمكان.

كما ينصح بإغلاق النوافذ والستائر خلال النهار وفتحها ليلًا عندما تنخفض درجات الحرارة، مع تقليل المجهود البدني في الفترات الأكثر حرارة، ومراقبة كبار السن والأطفال والمرضى بشكل يومي للتأكد من حصولهم على كميات كافية من السوائل وعدم ظهور علامات الجفاف عليهم.

ومن بين أكثر الأخطاء شيوعًا ترك الأطفال أو كبار السن أو الحيوانات الأليفة داخل السيارات المتوقفة تحت أشعة الشمس، إذ يمكن أن تتحول المركبة خلال دقائق إلى بيئة قاتلة ترتفع فيها درجات الحرارة إلى مستويات خطيرة، حتى وإن كانت النوافذ مفتوحة جزئيًا.

ولا تتوقف تداعيات موجات الحر عند الجانب الصحي، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع، حيث تتراجع إنتاجية العمال، خاصة في قطاعات البناء والزراعة، ويرتفع استهلاك الكهرباء والمياه، كما تزداد الضغوط على المستشفيات والخدمات الصحية خلال فترات الحر الشديد.

وفي ظل التوقعات المناخية التي تشير إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات المقبلة، يؤكد الخبراء أن التكيف مع هذه الظاهرة لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرض تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، ونشر الوعي الصحي، وتطوير خطط وطنية لحماية الفئات الهشة والحد من الخسائر البشرية.

وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم أن موجات الحر ليست مجرد طقس حار يمكن التعايش معه بسهولة، بل خطر صحي حقيقي يمكن أن تكون عواقبه وخيمة إذا أُهملت إجراءات الوقاية. فشرب الماء بانتظام، وتجنب التعرض للشمس في أوقات الذروة، ومراقبة الفئات الأكثر هشاشة، خطوات بسيطة قد تكون الفارق بين السلامة وحدوث مضاعفات تهدد الحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.