الانتفاضة//الحجوي محمد
في التقاليد المغربية، حيث تُقدَّس صلة الرحم ومواساة الحزين، تبرز عادة “عشاء الميـ.ـت” التي تُقام في الليلة الأولى بعد الدفـ.ـن. ورغم أن الهدف منها تكريم روح الفقيد واستقبال المعزين، إلا أنها تحولت إلى عبء ثقيل على من فقد أغلى الناس: أباه، أمه، أو ابنه. ففي ليلة هي أقسى ليالي العمر، حيث القبر لا يزال غضاً والقلوب تنزف ألماً، يُنتظر من أهل الفقيد أن يطبخوا ويقدموا ويتحملوا مصاريف باهظة، وكأن المصيبة لم تكن كافية.
لفتة المـ.ـوت لا تزال حارة، وأهل المـ.ـيت لم يغمضوا جفوناً منذ سماع النبأ. لكن العرف الاجتماعي يقضي بأن تُقام مأدبة عشاء في الليلة الأولى، تُقدم فيها أطباق الدجاج واللحم بالضرورة. هذه الليلة، التي يفترض أن يخلو فيها الحزين لحزنه ودموعه، تتحول إلى حالة من الفوضى والاستنزاف. فالبيت يمتلئ بالمعزين، والمطبخ يتحول إلى ورشة طهي، والنساء الحزينات يُكلفن بالوقوف على النار ساعات طويلة، بينما يغص المنزل بالبـ.ـكاء والعويل. إنها ليلة واحدة، لكنها تمتد في أثقلها على القلب والجسد.
تجهيز عشاء يتسع لعشرات بل مئات الضيوف في ليلة الفاجعة يتطلب جهداً خارقاً. فشراء الدجاج واللحم والتوابل، واستدعاء طباخات محترفات، وتوفير الأطباق والأكواب والمشروبات، كلها مهام تنهك عائلة منهكة أصلاً بالحزن. كثيراً ما تضطر الأرملة أو من فقد أباه إلى قضاء الليل باكية أمام الموقد، بدلاً من أن تبكي في ركن هادئ. وكأن المجتمع يقول: “عزاؤك أن تخدمنا الليلة”.
في زمن الارتفاع الجنوني للأسعار، تصبح تكاليف عشاء الليلة الأولى كابوساً حقيقياً. فاللحم والدجاج وحدهما قد يكلفان مئات الدراهم، إضافة إلى الزيت والغاز وأجور المساعدات والأواني البلاستيكية. والأدهى أن أسرة الفقيد قد تكون فقيرة أو مدينة أصلاً، فتضطر للاقتراض من هنا وهناك لتقديم تلك الليلة، خوفاً من وصمة “البخل على الميت”. فبدلاً من أن يخفف الجيران والأقارب عنهم، ينتظر الأغلبية أن يُطعموا.
بين الألم المباح والعبء المحرم، يقف الحكم الشرعي والأخلاقي واضحاً: إقامة عشاء الميـ.ـت في الليلة الأولى لا تجوز. فلم يأمر به دين، ولم يوصِ به نبي، بل هو بدعة اجتماعية أثقلت كاهل الفقراء والمكلومين. المستحب شرعاً هو أن يُصنع الطعام لأهل الميـ.ـت من قبل الجيران والأقارب، لا أن يُكلف الحزين بإطعام الحاضرين. إن تكليف من فقد أباه أو أمه أو ابنه بتكاليف الطبخ والخدمة في ليلة مصيبته الأولى، هو ظلم واضح وإهدار للمال وإتعاس للحزين. فليتق الله من يصرون على هذه العادة، وليعلموا أن مواساة الحزين تكون بتخفيف الحمل، لا بإضافة أعباء لا تطاق.