الانتفاضة//الحجوي محمد
في عمق السوق الأسبوعي لمدينة قلعة السراغنة، حيث يعقد موسم البيع والشراء كل اثنين، تتوزع الأروقة كجزر صغيرة تعكس نبض الاقتصاد المحلي وعراقة الصنائع اليدوية، وتأتي “رحبة الخشب” لتكون واحدة من أبرز هذه المحطات التي تحتفظ بروح الماضي وعبق الصنعة المتقنة.
تتحول جذوع الأشجار داخل هذه الرحبة إلى قطع فنية نابضة بالحياة، حيث تصطف الأعمدة المصقولة إلى جانب الألواح المنحوتة وأدوات الطبخ التقليدية التي لا تخلو منها بيوت المنطقة، من مغارف خشبية وأوانٍ عطرية و”الفردو” الذي ظل وفياً للمطبخ القديم، وكراسٍ صغيرة تحمل بساطة العيش القروي ودفء الذاكرة.
ليس الأمر مجرد بضاعة معروضة بقدر ما هو بصمة صانع أمضى عمره في توارث الحرفة، فأدوات الغسيل الخشبية والمهراز التقليدي تروي حكايات بيوت كانت تجد في البساطة جمالاً وفي التفاصيل اليومية طقوساً خاصة، وكأن كل قطعة تحمل رائحة الزمن الجميل ونقشاً خفياً ليدٍ أتقنت النحت والحفر.
وهكذا تتحول رحبة الخشب في سوق قلعة السراغنة من فضاء تجاري بحت إلى ملتقى بشري مفتوح، حيث يلتقي زوار من قبائل السراغنة والرحامنة وزمران بل ومن مدن كمراكش وبني ملال، لتتم الصفقات وتُسرد الأحاديث وتُكتب علاقات تمتد في جذورها عميقاً كجذوع الأشجار المعروضة.
في زمن تزاحم فيه الآلات روح الصنعة، تظل هذه الرحاب دعوة صامتة للتأمل في جمال ما يصنع بالصبر، وتذكيراً بأن الأصالة لا تموت طالما أن هناك أيادي تعشق النحت وحكايا لا تنضب على ألسنة التجار والحرفيين في سوق الإثنين بقلعة السراغنة.