الانتفاضة//الحجوي محمد
في زمننا هذا، أصبحنا نلاحظ ظاهرة مقلقة تنتشر بين بعض القاصرين في شوارع إقليم قلعة السراغنة وباقي المدن المغربية، حيث بات قلة الاحترام للكبار والشغب في الأزقة وتكسير زجاج السيارات والكلام النابي أمراً عادياً يمر دون رادع، مما يطرح تساؤلاً محيراً: إلى أين نحن ذاهبون بهذا الجيل الذي يبدو أنه فقد بوصلته الأخلاقية؟
هؤلاء الأبناء لم يولدوا بهذا السلوك المنحرف، بل هناك خلل واضح في التربية والتوجيه الأسري، فالمشكلة تبدأ من البيت حيث يغيب دور الوالدين في المراقبة والموعظة الحسنة، ويتناسى الكثيرون أن تربية الأبناء ليست مجرد إطعام وكسوة، بل غرس للقيم والأخلاق قبل فوات الأوان، والشارع اليوم يسبق المدرسة والمسجد في تشكيل وعي هؤلاء الصغار.
يقول الله تعالى في محكم آياته: “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا”، فإذا كان الخالق العظيم قد أمر بالإحسان إلى الوالدين، فكيف بمن لا يحترم حتى من هو أكبر منه في المجتمع؟ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على انفصام في العلاقة بين الأجيال يستوجب وقفة جادة من الجميع.
ويؤكد القرآن الكريم مسؤولية الآباء بوضوح في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا”، وهنا تتجلى مسؤولية الآباء التي لا تقتصر على الجانب المادي فقط، بل تمتد لتشمل التربية الأخلاقية والدينية والسلوكية، وإلا كانوا مسؤولين أمام الله قبل المجتمع عن كل انحراف يرتكبه أبناؤهم.
وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”، وهو حديث عظيم يضع اللوم على كل مقصر، ثم قال عليه الصلاة والسلام: “ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا”، فكيف بمن يجتمع فيه الأمران: عدم توقير الكبير وعدم رحمة الصغير، بل والتعدي على ممتلكات الناس وأمنهم؟
ما نراه اليوم بإقليم قلعة السراغنة وباقي المدن من انحراف في السلوك ليس مجرد “مرح شباب” أو طيش عابر كما يحاول البعض تبريره، بل هو بداية طريق خطير قد يؤدي إلى الجريمة والانحلال الأخلاقي، والصمت عن هذه التصرفات بحجة أنها مجرد “زلة صغار” هو مشاركة غير مباشرة في استمرار هذه الظاهرة وتفاقمها.
إلى الآباء والأمهات نوجه رسالة صريحة: راقبوا أبناءكم قبل أن يقعوا في المحظور، صاحبوا أبناءكم في حياتهم اليومية، علموهم دينهم وأخلاقهم قبل أن يتعلموا من الشارع ومن رفاق السوء، فالأوان لا يزال مناسباً لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، والتربية بالقدوة خير من ألف موعظة نظرية.
وأما الشباب الذين ظنوا أن القوة في التخريب والرجولة في قلة الأدب، فنقول لهم بكل محبة: القوة الحقيقية ليست في تكسير زجاج السيارات أو إيذاء المارة، والرجولة ليست في الكلام النابي أو التعدي على الكبار، بل الأخلاق والاحترام وتحمل المسؤولية هي ما يصنع منكم رجالاً يفتخر بهم المجتمع، فكونوا عوناً لأهلكم ووطنكم لا عالة عليه.
إن مجتمعاً بلا أخلاق هو مجتمع في خطر حقيقي، والخطر ليس على الكبار وحدهم بل على هؤلاء الشباب أنفسهم الذين يزرعون اليوم بذور الندامة التي سيجنون ثمارها غداً، فهل نتحرك جميعاً قبل فوات الأوان، أم نبقى متفرجين على جيل يضيع أمام أعيننا؟ الأجوبة ليست في السماء، بل في أيدينا نحن الآباء والمربين والمسؤولين.