بنموسى يرسم ملامح مغرب 2040

مدن أكبر وأسر أصغر ومجتمع يتجه نحو الشيخوخة

الانتفاضة/ جميلة ناصف

يتجه المغرب خلال العقود المقبلة نحو تحولات ديمغرافية عميقة ستعيد رسم خريطته السكانية والاجتماعية والمجالية، في ظل تسارع وتيرة التمدن، وتراجع حجم الأسر، وارتفاع نسبة المسنين، مقابل تقلص الوزن النسبي لفئة الشباب. وهي تحولات قال المندوب السامي للتخطيط، شكيب بنموسى، إنها ستفرض تحديات جديدة على مستوى السياسات العمومية والتخطيط الترابي والخدمات الاجتماعية والاقتصادية.
وخلال عرض قدمه بالرباط حول أبرز التحولات الديمغرافية التي تعرفها المملكة، في لقاء نظمه نادي روتاري الرباط إكسيلونس بشراكة مع أندية الروتاري بكل من الرباط وسلا، استعرض بنموسى مجموعة من المؤشرات التي تكشف ملامح المغرب في أفق 2040، حيث سيكون البلد أكثر تمدنا، وأسرته أصغر حجما، وسكانه أكثر تقدما في السن.
ومن أبرز التحولات التي تشهدها المملكة استمرار الانتقال نحو مجتمع حضري، إذ يرتقب أن يرتفع معدل التمدن من 62,8 في المائة سنة 2024 إلى حوالي 69,2 في المائة بحلول سنة 2040. ويعكس هذا المسار توسعا متواصلا للمدن والمجالات الحضرية، نتيجة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والهجرة الداخلية وتزايد جاذبية المراكز الحضرية.
وتكشف الأرقام عن ارتفاع متواصل في عدد سكان المدن، بعدما انتقل من 16,5 مليون نسمة سنة 2004 إلى 23,1 مليون نسمة سنة 2024، على أن يبلغ حوالي 28 مليون نسمة في أفق 2040. وفي المقابل، تسير الساكنة القروية في اتجاه معاكس، إذ يرتقب أن يتراجع عددها إلى حوالي 12,5 مليون نسمة، مقابل 13,7 مليون نسمة سنة 2024.
ولا يتعلق الأمر بمجرد انتقال السكان من القرى إلى المدن، بل بتحول أوسع يضع أمام المغرب تحديات مرتبطة بالتعمير والسكن والنقل والبنيات التحتية والخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب الحاجة إلى توفير فرص الشغل داخل فضاءات حضرية ستستقبل أعدادا متزايدة من السكان. فكل ارتفاع في معدل التمدن يرافقه ضغط إضافي على الجماعات والمدن، ويجعل التخطيط الاستباقي ضرورة لتجنب تفاقم مظاهر الهشاشة والتفاوت المجالي.
وعلى مستوى التوزيع الجغرافي للسكان، ما تزال خمس جهات تحتفظ بالثقل الديمغرافي الأكبر، ويتعلق الأمر بجهات الدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، ومراكش-آسفي، وفاس-مكناس، وطنجة-تطوان-الحسيمة. وقد استحوذت هذه الجهات مجتمعة على 86,2 في المائة من مجموع الزيادة السكانية المسجلة بين سنتي 2014 و2024، بما يؤكد استمرار تمركز النمو الديمغرافي في عدد محدود من المجالات الترابية.
وتبرز جهة مراكش-آسفي ضمن هذه الجهات باعتبارها من الأقطاب الديمغرافية الرئيسية بالمملكة، حيث تستحوذ على 13,4 في المائة من مجموع السكان، الأمر الذي يطرح بدوره أسئلة حول قدرة البنيات والخدمات العمومية على مواكبة التحولات السكانية التي تعرفها الجهة، خاصة في ظل التوسع الحضري الذي تشهده مدينة مراكش ومحيطها، إلى جانب التفاوتات القائمة بين المجالات الحضرية والقروية.
ومن التحولات البارزة التي رصدها المندوب السامي للتخطيط تغير شكل الأسرة المغربية. فعدد الأسر يرتقب أن يصل إلى حوالي 12,3 مليون أسرة بحلول سنة 2040، مقابل 9,3 ملايين سنة 2024، بزيادة تناهز 32,5 في المائة. غير أن هذه الزيادة في عدد الأسر ستترافق مع تراجع متوسط حجم الأسرة من 3,9 أفراد إلى 3,3 أفراد.
ويعني ذلك أن المغرب سيكون أمام عدد أكبر من الأسر، لكن بأحجام أصغر، وهو تحول ستكون له انعكاسات مباشرة على الطلب على السكن والخدمات والتجهيزات الاجتماعية. كما سيعيد طرح أسئلة جديدة حول أنماط العيش والعلاقات الأسرية والتحولات التي تعرفها الأسرة المغربية، في ظل تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية وتزايد استقلالية الأسر الجديدة.
أما التحول الأكثر عمقا فيتعلق بتسارع وتيرة الشيخوخة. فبعدما كانت نسبة الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق لا تتجاوز 7,2 في المائة سنة 1960، ارتفعت إلى 9,4 في المائة سنة 2014، قبل أن تبلغ 13,8 في المائة سنة 2024. ومن المنتظر أن تصل هذه النسبة إلى 19,5 في المائة سنة 2040، ثم إلى 22,9 في المائة بحلول سنة 2050.
وتعني هذه الأرقام أن المجتمع المغربي يتجه تدريجيا نحو مرحلة جديدة ستصبح فيها قضايا الشيخوخة والرعاية الصحية والتغطية الاجتماعية والتقاعد والعناية بالأشخاص المسنين أكثر حضورا في السياسات العمومية. فارتفاع عدد المسنين يفرض الاستعداد لتوفير خدمات صحية واجتماعية تتلاءم مع حاجيات هذه الفئة، إلى جانب التفكير في آليات جديدة للرعاية والحماية الاجتماعية.
وكشف العرض أيضا أن وضعية المسنين ترتبط بشكل وثيق ببنيتهم العائلية، مع تسجيل تفاوتات واضحة بين الرجال والنساء. ففي حين يشكل المتزوجون حوالي 90 في المائة من الرجال المسنين، لا تتجاوز هذه النسبة 52 في المائة لدى النساء، فيما تبلغ نسبة الأرامل منهن 38 في المائة، وهو ما يعكس خصوصية وضع النساء المسنات وحاجتهن إلى اهتمام أكبر على مستوى الحماية والرعاية والدعم الاجتماعي.
وتظل الأسرة إلى حد كبير الإطار الأساسي الذي يحتضن الأشخاص المسنين بالمغرب، إذ يقيم 42 في المائة منهم ضمن أسر متعددة الأجيال، فيما يعيش 43 في المائة في إطار زوجي، بينما يعيش حوالي 9 في المائة بمفردهم. غير أن تقلص حجم الأسر والتحولات التي تعرفها أنماط العيش قد تفرض مستقبلا إعادة التفكير في أشكال التضامن الأسري وقدرة الأسر على الاستمرار في أداء أدوار الرعاية التقليدية.
وفي مقابل ارتفاع نسبة المسنين، يتراجع الوزن النسبي للشباب ضمن التركيبة السكانية. فقد انتقلت نسبة الفئة العمرية ما بين 15 و29 سنة من 26,3 في المائة سنة 2014 إلى 22,25 في المائة سنة 2024، رغم أن عدد الشباب لا يزال في حدود 8,1 ملايين شخص، يمثلون حوالي 37 في المائة من السكان في سن النشاط، فيما يتركز حوالي 73 في المائة منهم في خمس جهات.
وتظل وضعية الشباب أحد أبرز التحديات التي تواجه المغرب، بالنظر إلى موقع هذه الفئة داخل المجتمع والاقتصاد. فحسب المعطيات التي قدمها بنموسى، فإن 42,6 في المائة من الشباب يواصلون دراستهم، بينما تبلغ نسبة المشتغلين 24,2 في المائة، في حين يوجد 11,1 في المائة منهم في وضعية بطالة.
وتكشف هذه المؤشرات أن التحول الديمغرافي لا يقتصر على الأرقام والإحصائيات، بل يرتبط بشكل مباشر بقدرة الاقتصاد والمجتمع على استثمار الطاقات البشرية المتاحة. فالشباب الذين يمثلون قوة أساسية داخل السكان في سن النشاط يشكلون فرصة ديمغرافية، غير أن تحويل هذه الفرصة إلى قوة إنتاجية يظل رهينا بتحسين جودة التعليم والتكوين، وتوسيع فرص التشغيل، وتعزيز مشاركة الشباب في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وتضع هذه التحولات المغرب أمام مفارقة ديمغرافية دقيقة: فمن جهة، تتراجع نسبة الشباب وتتزايد الشيخوخة، ومن جهة أخرى، لا يزال البلد في حاجة إلى استثمار أفضل في رأسماله البشري وخلق فرص كافية لإدماج الأجيال الصاعدة في سوق الشغل. وهو ما يجعل السنوات المقبلة حاسمة في تحديد قدرة المملكة على الاستفادة من هذه المرحلة الانتقالية قبل أن يصبح ثقل الشيخوخة أكثر وضوحا.
إن ملامح مغرب 2040، كما تعكسها هذه المؤشرات، تشير إلى مجتمع مختلف عن مغرب اليوم: مدن أكثر اتساعا واكتظاظا، وأسر أكثر عددا وأصغر حجما، وساكنة تتقدم في السن، وشباب ما زال يمثل قوة حيوية لكنه يتراجع من حيث الوزن النسبي. وهي صورة تفرض على صناع القرار تجاوز منطق التدبير الآني، واعتماد سياسات استباقية تراعي التحولات العميقة التي بدأت آثارها تظهر بالفعل.
فالتحدي الحقيقي لن يكون فقط في معرفة عدد سكان المغرب بعد عقد ونصف، بل في الاستعداد منذ الآن لنوعية المدن التي سيعيشون فيها، وطبيعة الخدمات التي سيحتاجون إليها، وفرص العمل التي ستتاح لهم، وكيفية ضمان الرعاية لجيل متزايد من المسنين، والحفاظ في الوقت نفسه على قدرة الشباب على المساهمة في الاقتصاد والمجتمع.
وبين مدن تستقبل مزيدا من السكان، وأسر يتقلص حجمها، ومجتمع يتقدم تدريجيا في السن، يبدو أن المغرب دخل مرحلة ديمغرافية جديدة ستجعل من التخطيط الاستباقي أحد المفاتيح الأساسية لمواجهة تحديات المستقبل. فمغرب 2040 لن يكون مجرد امتداد لمغرب اليوم، بل سيكون بلدا مختلفا في تركيبته السكانية واحتياجاته الاجتماعية ومجالات الضغط التي ستفرض نفسها على الدولة والجماعات الترابية والاقتصاد والمجتمع.

التعليقات مغلقة.