السعودية تراهن على الحوار مع إيران لتجنيب المنطقة شبح التصعيد

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية تتقاطع فيها التوترات الجيوسياسية مع الحسابات الاقتصادية والأمنية للدول الإقليمية. وفي هذا السياق، برزت تحركات دبلوماسية سعودية لافتة يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تهدف إلى فتح قنوات تواصل مباشرة مع إيران في محاولة لاحتواء أي تصعيد محتمل قد يدفع المنطقة إلى مواجهة واسعة لا تخدم مصالح أي طرف.

ووفق ما تداولته تقارير إعلامية دولية، فإن هذه الاتصالات تأتي في إطار مقاربة سعودية جديدة تعطي الأولوية لاستقرار الإقليم عبر الحوار المباشر بين القوى المؤثرة فيه، بعيداً عن منطق الاستقطاب الحاد أو انتظار المبادرات الخارجية. فالمملكة، التي تشهد تحولات اقتصادية وتنموية كبرى في إطار “رؤية 2030”، تدرك أن أي اضطراب أمني واسع قد ينعكس سلباً على مسار الإصلاحات الاقتصادية والمشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها.

ويرى مراقبون أن هذا التحرك يعكس إدراكا متزايدا لدى الرياض بأن أمن الخليج واستقرار المنطقة لا يمكن أن يبقيا رهينة التوازنات الدولية وحدها، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي وتزايد بؤر التوتر في أكثر من منطقة. لذلك تسعى السعودية إلى ترسيخ مقاربة تقوم على الحوار الإقليمي المباشر باعتباره أحد المسارات القادرة على خفض التصعيد وبناء تفاهمات تدريجية بين الأطراف المتنافسة.

كما يندرج هذا المسار في سياق الجهود التي بذلت خلال السنوات الأخيرة لإعادة فتح قنوات التواصل بين الرياض وطهران، والتي توجت سابقا باستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد سنوات من القطيعة. وقد شكل ذلك الاتفاق مؤشرا على إمكانية الانتقال من مرحلة الصدام غير المباشر إلى مرحلة إدارة الخلافات عبر الدبلوماسية.

وتحمل الاتصالات الحالية عدة أهداف، من بينها تجنب أي استهداف محتمل للمنشآت الحيوية أو الممرات الاستراتيجية في الخليج، إضافة إلى العمل على تثبيت قواعد غير معلنة تمنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة. كما تعكس رغبة في الحد من تأثير الصراعات الإقليمية على استقرار أسواق الطاقة العالمية التي تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الدولي.

من جهة أخرى، تشير بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين إيرانيين إلى استعداد مبدئي لخفض مستوى التوتر مع دول الجوار، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار الإقليمي إذا ما توفرت الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف المعنية.

وفي المحصلة، يبدو أن التحرك السعودي يعكس توجها متزايدا نحو اعتماد الدبلوماسية الاستباقية كأداة رئيسية لإدارة الأزمات الإقليمية. فبدلاً من انتظار انفجار الأوضاع، تسعى الرياض إلى لعب دور فاعل في صياغة معادلة استقرار جديدة قوامها الحوار وتغليب المصالح المشتركة، في محاولة لتجنيب المنطقة سيناريوهات التصعيد التي قد تكون كلفتها باهظة على الجميع.

التعليقات مغلقة.