الإنتفاضة الصويرة
بقلم محمد السعيد مازغ
أيها السادة، يا ركاب النقل العمومي وأصحاب سيارات الأجرة، دعونا نسافر وإياكم في جولة لا تُنسى… جولة تبدأ من المحطة الطرقية للمسافرين، التي تبدو وكأنها خرجت لتوّها من استوديوهات أفلام تحكي عن حياة الإنسان البدائي. مكان يهمس لزواره بأن المستقبل قادم، وأن موعدكم مع محطة طرقية جديدة آتٍ لا ريب في ذلك… غير أن المرتفقين يردّون، ببساطة وواقعية: لسنا نسأل عن المستقبل البعيد، بل عن الحاضر القريب؛ عن النظافة، وعن القطع مع الفوضى التي صارت جزءًا من المشهد اليومي. أما محطة سيارات الأجرة المجاورة، فهي حكاية أخرى. تحاول بصعوبة أن ترفع رأسها قليلًا، لكنها تقف عاجزة أمام واقع لا يساعد على الافتخار بالمكان. مرحاض يحنّ إلى العصر الحجري، وبرك مائية تتجمع هنا وهناك، وروائح تعلن حضورها بلا استئذان، وأزبال تؤثث الأركان… مشهد يبدو وكأنه خرج بدوره من فيلم عن زمن سحيق، حيث لم تكن النظافة بعدُ من ضروريات الحياة اليومية. وليس المجال يساعد للتفصيل في ما تعج به محطة سيارات الأجرة، حيث يحتك اللون الأزرق بباقي الألوان، فَتُمتَحَنُ ” خاوة ـ خاوة” ومع ذلك ، فالاختلاف رحمة ـ كما يقال ـ ما دام لم يخرج عن السيطرة، وعن فتوى ذوي النيات الحسنة…. يقف المشهد شاهدًا صامتًا على الإهمال المزمن، وكأن المسؤولية غادرت المكان منذ زمن بعيد، تاركة المسافرين والسائقين يواجهون تفاصيل يومية لا تليق بمدينة لها تاريخ وسمعة. النتيجة؟ مسافرون يتساءلون بصمت: هل هذه حقًا صورة المدينة التي نريد؟ وهل يعكس هذا المشهد مستوى التدبير المحلي الذي يستحقه المرتفق؟. ساعة واحدة في هذه المحطة كفيلة بأن تذكّرنا بأن مشكل الأزبال، وقلة الحاويات، وضعف الخدمات، واقع ظاهر للعيان، بل يتنافى مع أبسط شروط احترام المرتفق. وأن التدبير المحلي الجيد يبدأ من التفاصيل الصغيرة، قبل الشعارات الكبرى والخطط المؤجلة. فربما، لو انتبهنا إلى هذه التفاصيل البسيطة، أصبحت محطاتنا أكثر إنسانية… وأجمل في نظر من يمرون بها كل يوم. غير أن المفارقة المؤلمة تبقى أن من يتنقل بسيارته الخاصة قد لا يجد الوقت لزيارة هذه الأمكنة، حيث يعيش المرتفق البسيط يوميًا تفاصيل واقع لا يُرى إلا من داخله.
التعليقات مغلقة.