الحسين الحسيني… رجل التعليم الذي صنع الأثر وبقي في الذاكرة

الانتفاضة

في ذاكرة مدينة آيت أورير، تبقى بعض الأسماء متقدة كالمشاعل التي لا يخبو نورها مهما توالت الأعوام وتعاقبت الأجيال، ومن بين تلك الأسماء التي استقرت في وجدان المدينة التربوي، يبرز إسم الأستاذ الفاضل الراحل “الحسين الحسيني”، أحد رجالات التعليم الذين جمعوا بين العلم الرفيع والخلق الكريم، وجعلوا من رسالة التربية مسار حياة وواجباً وطنياً وإنسانياً.

لم يكن الراحل مجرد أستاذ أو مدير مؤسسة تعليمية، بل كان، بحق، مدرسة قائمة بذاتها، فقد شكّل حضوره التربوي علامة فارقة في مسار التعليم بالمنطقة، وأسهم بعلمه وهيبته التربوية في تكوين أجيال متعاقبة من أبناء آيت أورير، تاركاً بصمة راسخة في ذاكرة المدينة، كما ارتبط اسمه على نحو وثيق بإعدادية مولاي رشيد، حيث تولّى إدارتها منذ تأسيسها سنة 1975، وظل على رأسها إلى غاية سنة 1985، في مرحلة كانت فيها المدينة تشق طريقها بثبات نحو بناء مؤسساتها التعليمية وترسيخ دعائمها الأولى، فكان حضوره آنذاك جزءاً من روح التأسيس والبناء.وُلد الأستاذ الحسين الحسيني سنة 1929 بمنطقة الجوابر بجهة سوس ماسة، في بيئة علمية محافظة جعلت من حفظ القرآن الكريم بداية رحلته في طلب المعرفة. فقد تلقى تعليمه الأول في الكتاب بماسة بسوس، حيث أتم حفظ كتاب الله، وتشرب القيم الروحية والأخلاقية التي ظلت ترافقه طوال مسيرته. وبعد هذه المرحلة، انتقل إلى مدينة مراكش ليلتحق بمدرسة ابن يوسف العريقة، التي كانت آنذاك إحدى أبرز منارات العلم في المغرب، وهناك نهل من معين المعرفة على يد نخبة من كبار العلماء، من بينهم العلامة الجليل الشيخ المختار السوسي وغيره من أعلام الفكر والعلم.

انطلقت مسيرته المهنية في مجال التعليم مبكراً، إذ بدأ عمله بمدينة تمنار، قبل أن ينتقل إلى الصويرة، ثم إلى مراكش حيث اشتغل في عدد من المؤسسات التعليمية، من بينها مدرسة عرصة باني ومدرسة المشاور الابتدائية، حيث عُرف منذ بداياته المهنية بجدّيته وتفانيه في أداء رسالته التربوية، وهو ما أهّله لاحقاً للعمل أستاذاً للغة العربية بثانوية الحسن الثاني، قبل أن يُسند إليه تدريس علم النفس لفائدة المعلمين المتدربين بمدرسة النخيل، وهي تجربة تعكس مكانته العلمية وقدرته على التأطير والتكوين.

ومع تراكم خبرته التربوية واتساع إشعاعه المهني، أُسندت إليه مهام الإدارة، فعُيّن مديراً لإعدادية ولي العهد بمدينة ورزازات، حيث أمضى أربع سنوات من العمل الجاد في تأطير المؤسسة وتطويرها، غير أن المحطة الأبرز في مساره كانت انتقاله إلى مدينة آيت أورير لتولي إدارة إعدادية مولاي رشيد، التي ظل يقودها لما يقارب ستة عشر عاماً، وهي فترة ترك خلالها أثراً واضحاً في مسار المؤسسة وفي ذاكرة من تتلمذوا بها.

وبعد هذه التجربة الغنية، عاد إلى مدينة مراكش حيث تولّى إدارة إعدادية الرحالي الفاروق، قبل أن يختتم مساره المهني بالتقاعد، وقد ترك خلفه سيرة تربوية حافلة بالعطاء والالتزام.

غير أن حضور الأستاذ الحسيني لم يقتصر على الحقل التربوي فحسب، بل امتد إلى مجالات أخرى من الحياة العامة، ففي المجال السياسي، انخرط في صفوف حزب الاستقلال، مؤمناً بدور العمل الوطني في خدمة المجتمع وبناء الدولة الحديثة.

أما في المجال الرياضي، فقد كان عضواً في المجلس المسير لفريق الكوكب المراكشي، كما ساهم لاحقاً في تسيير المولودية المراكشية وفريق الكمال المراكشي، وكان شغفه بالرياضة كبيراً إلى حد أنه تُوّج في شبابه بطلاً للملاكمة على الصعيد الوطني.

وفي المجال الثقافي، كان للأستاذ الحسيني حس أدبي رفيع وروح شاعرية شفافة. فقد كتب عدداً من القصائد التي نُشرت في مجلة دعوة الحق، من بينها قصيدة بعنوان “قم يا أبي”، كما اشتغل مراسلاً صحفياً رياضياً بمدينة مراكش وكتب في جريدة العلم، مساهماً بذلك في تنشيط الحياة الثقافية والإعلامية في زمنه، حيث وإلى جانب ذلك، كان عضواً في رابطة المديرين بمراكش، حيث شارك في النقاشات التربوية التي كانت تعنى بتطوير المدرسة المغربية.

وفي 10 غشت 1992، أسلم الأستاذ الحسين الحسيني الروح إلى بارئها بمدينة الصويرة، لكن رحيله لم يطفئ أثره في ذاكرة من عرفوه أو تتلمذوا على يديه أو عملوا إلى جانبه، فقد كان من أولئك الرجال الذين لا تُقاس قيمتهم بعدد السنوات التي قضوها في مواقع المسؤولية، بل بعمق الأثر الذي يتركونه في العقول والقلوب.
رحم الله الأستاذ الحسين الحسيني رحمة واسعة، وجعل ما قدّمه من علم وتفانٍ في خدمة التربية والتعليم في ميزان حسناته، وأبقى اسمه صفحة مضيئة في تاريخ التعليم بمدينة آيت أورير.

التعليقات مغلقة.