الانتفاضة // إلهام أوكادير
لم تعد المسألة مجرد بطولة أخرى تُضاف إلى سجل كأس العالم، فمونديال 2026 يقترب بخطى ثابتة، حاملاً معه وعداً بكرة قدم عابرة للحدود، ومسرحاً كروياً يمتد من “مكسيكو سيتي” إلى “نيويورك”، مروراً بملاعب “كندا” و “الولايات المتحدة”، في نسخة غير مسبوقة من حيث عدد المنتخبات والمباريات، تُختبر فيها قدرة الرياضة على الصمود أمام رياح السياسة.
فصافرة البداية ستُطلق في ال11 من يونيو 2026 من ملعب “أزتيكا” التاريخي في العاصمة المكسيكية، فيما يُسدل الستار بعد ستة أسابيع تقريباً في ملعب “ميتلايف” الضخم قرب نيويورك، يوم ال19 من يوليوز، إذ بين الموعدين، ستدور 104 مباراة على 16 ملعباً، موزعة على أربع مناطق زمنية، مع تركّز النصيب الأكبر في الولايات المتحدة التي ستحتضن 78 مواجهة.
أما بالنسبة للمنتخب المغربي، فالرحلة تبدأ من قلب “نيوجيرسي”، حيث يواجه “أسود الأطلس” المنتخب البرازيلي في ال13 من يونيو على أرضية ملعب “ميتلايف”، في قمة مبكرة بنكهة تاريخية، إذ وبعدها بستة أيام، ينتقل المنتخب إلى “بوسطن” لملاقاة اسكتلندا في ملعب “جيليت”، قبل أن يختتم دور المجموعات أمام هايتي في “أتلانتا” على ملعب “مرسيدس-بنز”، ما يشكل ثلاث محطات أمريكية، سترسم ملامح مجموعة تبدو متوازنة حسابياً، لكنها مفتوحة على كل الإحتمالات ميدانياً.
أما اقتصادياً، فيتوقع الإتحاد الدولي لكرة القدم أن تحقق البطولة أرقاماً غير مسبوقة، مع عائدات قد تصل إلى 11 مليار دولار، متجاوزة بكثير إيرادات نسخة قطر 2022، على أن يشكّل ذلك قفزة مالية، كانعكاس طبيعي لتوسع البطولة إلى 48 منتخباً، واتساع السوق الأمريكية تحديداً، بكل ما تحمله من ثقل إعلاني واستثماري.
غير أن الصورة لا تُقرأ من زاوية الملاعب وحدها، فالمونديال المقبل يُنظَّم في سياق دولي مشحون، حيث تلوح التوترات السياسية في الأفق، فسياسات الهجرة المشددة في الولايات المتحدة، والقيود المفروضة على مواطني عدد من الدول، أثارت تساؤلات عدة بشأن سلاسة تنقل الجماهير وبعض البعثات، إذ ورغم تطمينات البيت الأبيض بأن التأشيرات السياحية المرتبطة بالمباريات لن تتأثر، إلا أنّ النقاش لم يهدأ بعد.
في المكسيك، بدورها، برزت مخاوف أمنية عقب أحداث عنف شهدتها مدينة “غوادالاخارا”، وهي إحدى المدن المستضيفة، إلا أن السلطات المكسيكية، إلى جانب رئيس “فيفا” “جاني إنفانتينو”، شددوا على أن التحضيرات تسير وفق ما هو مخطط، وأن الاستقرار التنظيمي للبطولة غير مهدّد.
ويزيد المشهد تعقيداً حضور منتخبات من دول تعيش توترات سياسية مع الولايات المتحدة، من بينها إيران، التي ستخوض مبارياتها في مدن أمريكية كبرى، وهي مفارقة تعيد طرح السؤال الكلاسيكي البديهي: هل تستطيع كرة القدم أن تُبقى مساحة للتلاقي حين تتشابك خطوط السياسة؟
في كل الأحوال، يبدو أن مونديال 2026 سيكون أكثر من مجرد سباق نحو الكأس، إنه اختبار لقدرة ثلاث دول على التنسيق البيني في أكبر حدث رياضي عالمي، وامتحان لفكرة أن كرة القدم، رغم كل شيء، ما زالت قادرة على جمع العالم تحت سقف ملعب واحد، ورغبة في الفوز تخلو من كلّ الشوائب السياسية.
التعليقات مغلقة.