الانتفاضة/ بقلم: الأستاذ عبد المجيد الإدريسي
إلى من يصرون، صباح مساء، على الخروج إلى الناس بخطاب يلبس ثوب “التنوير” ويخفي في طياته مشروع قطيعة مع الجذور…
إلى السيد رشيد أيلال،
والمهندس الفكري لهذا المسار أحمد عصيد،
والمثير للجدل دكتور فايد،
والمستفزة بخطابها مايسة سلامة، وغيرهم كثيرا
وإلى كل من يروج هذا الخطاب ويدعمه وينشره ويقدمه على أنه “صوت العقل”…
أقولها بوضوح لا لبس فيه:
لقد تجاوزتم النقاش إلى النخر.
وتحول خطابكم من مساءلة فكرية إلى مشروع زعزعة رمزية.
⛔أولا ليست معركة “إفطار”… بل معركة مرجعية
أن تطرحوا “الإفطار العلني” بوصفه حرية، ليس هو لب القضية.
القضية أنكم تقدمونه كفعل تحد للمقدس الجمعي، كاختبار لقابلية المجتمع للتخلي عن رموزه.
تريدون تحويل المجال العام من فضاء تحكمه هوية مشتركة إلى ساحة بلا معنى جامع.
تدركون جيدا أن المجتمعات لا تهزم عسكريا فحسب،
بل تهزم حين يعاد تعريف مقدساتها بوصفها مجرد “خيارات شخصية”.
أنتم لا تدافعون عن فرد يأكل.
أنتم تختبرون صبر مجتمع.
⛔ثانيا: إعادة تشكيل النص… على مقاس اللحظة
حين تخرجون لتقولوا إن السنة “سردية تاريخية”،
وإن القرآن “نص مفتوح لإعادة التأويل وفق الحساسية المعاصرة”،
فأنتم لا تجتهدون… بل تفرغون النص من سلطته.
الاجتهاد داخل المرجعية يثريها.
أما إخضاع النص لسلطة المزاج الثقافي، فهو إلغاء لهوية النص.
النص الذي لا يوجه الإنسان،
بل يعاد تشكيله ليبرر رغباته،
يفقد جوهره.
وحين يفصل الدين عن المجال الأخلاقي،
ويختزل في طقوس قابلة للتجاوز،
يبدأ الفراغ.

⛔ثالثا: المثال الغربي الذي تتغنون به
أنتم تقدمون الغرب كأفق أخلاقي نهائي،
وتتعاملون مع تجربته وكأنها خاتمة التاريخ.
لكن ألم تسقط تلك الصورة المثالية يوم انفجرت فضيحة Jeffrey Epstein؟
شبكات إستغلال،نخب سياسية ومالية،خطاب معلن عن حقوق الإنسان والمرأة،وممارسات في الظل تهين الإنسان ذاته.أليس في ذلك ما يكفي لإعادة النظر في “النموذج”؟
لسنا هنا لنشيطن الغرب،بل لنرفض تقديسه.
فالمجتمعات التي تعاني من عزلة اجتماعية، وتفكك أسري، واغتراب روحي، ليست جنة أرضية.
الحداثة حين تنفصل عن الأخلاق،تتحول إلى قوة تقنية بلا روح.والحرية حين تفصل عن المسؤولية،
تتحول إلى فوضى ناعمة.
⛔رابعا: استهداف الأسرة… تفكيك بطيء
أخطر ما في خطابكم ليس الجدل الفقهي،
بل تسخيف الأسرة، وإعادة تعريفها، واعتبارها نموذجا قابلا للإلغاء.الأسرة ليست تفصيلا تقليديا.هي الحصن الأخير قبل الذوبان.حين يضعف الإيمان،وتربك الهوية،وتسخف المرجعية،وتقدمالرغبة باعتبارها معيارا أعلى من الواجب…ينشأ جيل بلا جذور.وجيل بلا جذور،سهل التوجيه،سهل الإستهلاك،
سهل الإستلاب.
⛔خامسا: إلى من يدعمونهم وينشرون خطابهم
أنتم شركاء في الأثر.
ليست المسألة “تعدد آراء” فحسب،بل مشروع يعيد تعريف المجتمع.كل منصة تروج لهذا الخطاب دون مساءلة،كل قلم يصفق بلا نقد،كل مؤسسة تقدم هذا المسار باعتباره التقدم الوحيد الممكن…تتحمل جزءا من المسؤولية الأخلاقية.النقاش مشروع،لكن الدفع المنهجي نحو قطيعة شاملة مع المرجعية ليس نقاشا
بل إعادة هندسة
⛔سادسا: لسنا ضد التنوير… بل ضد الفراغ
نحن لا نخاف من العقل.ولا نرفض المراجعة.ولانؤمن بعصمة القراءة البشرية.لكننا نرفض تحويل العقل إلى أداة هدم.نرفض أن يختزل التقدم في التحرر من الدين.نرفض أن تصور القيم باعتبارها قيودا ينبغي كسرها.التجديد لا يعني اقتلاع الجذور.والتحرر لا يعني تفكيك الثوابت.والكرامة لا تعني إلغاء المقدس.
الكلمة الأخيرة
أقولها لكم بلا مواربة:
إن استمر هذا المسار في النخر الرمزي،فلن يكون الصراع فكريا فحسب،بل وجودياالمجتمع الذي يفقد دينه،ويضعف أسرته،ويربك هويته،لا يصبح أكثر تقدما…بل أكثر هشاشة.والهشاشة في عالم شرس،
ليست خيارا فكريا،بل خطرا حضاريا.
إن أردتم إصلاحا،فليكن من داخل سياقنا،
بأدواتنا،وباحترام ذاكرتنا.أما أن تقدم القطيعة بوصفها خلاصا،فذلك وهم.وليعلم الجميع:
الأمم قد تتأخر،لكنها لا تموت إلا حين تفقد إيمانها بذاتها
وهذا ما لن نسمح به.
اتقوا الله في وطنكم ومجتمعكم
التعليقات مغلقة.