الانتفاضة // بقلم: الدكتور عبدالرحيم موهوب
شهدت مدينة الداخلة عروس الصحراء المغربية لحظة سياسية لا يمكن تجاهلها، لحظة تتجاوز الشكل والخطاب لتكشف عن خفايا فهم بعض الفاعلين السياسيين للدولة ومؤسساتها. جلس محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، بثقة الزعيم الذي يعرف نفسه محور الانتباه داخل بيته الحزبي، وابتسم ابتسامة يظن معها أن كل التصفيق دليل شرعية، ثم أطلق عبارته التي ستظل تتردد في أروقة التحليل السياسي: “سمحولي أنا بغيت نحيي وزرائي…”.
جملة تبدو بسيطة على السطح، لكنها تحمل في طياتها ما يكفي لتحويل نقاش سياسي بسيط إلى دراسة عميقة عن حدود السلطة، العلاقة بين الدولة والحزب، ومفهوم المسؤولية الوطنية والشرعية السياسية.
ما قام به شوكي لم يكن مجرد لحظة نشوة خطابية، بل فضح رؤية مغلوطة للسلطة، رؤية تحوّل فيها الوزراء الذين يستمدون شرعيتهم من الدستور والتعيين الملكي إلى امتداد شخصي، أو كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو: “الرموز والهيمنة الثقافية والسياسية تتقاطع لتعيد إنتاج السلطة، وأحياناً تُحوّل العلاقات القانونية إلى علاقات تبعية رمزية”. العبارة “وزرائي” لم تكن مجازاً عابراً، بل ترجمة حرفية للوعي السياسي الذي يرى في الفوز الانتخابي امتلاكاً للمؤسسات، وفي المنصة الحزبية مرجعية أعلى من الدستور.
الدستور المغربي واضح وصريح. ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر، ويعيّن أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، ويعفي من يشاء وفق المساطر الدستورية. لا توجد أي صيغة تمنح رئيس حزب الحق في تسمية الوزراء أو اعتبارهم “وزرائه”، ولو مجازياً. إلا أن شوكي اختزل هذه المساطر القانونية المعقدة في لحظة خطابية واحدة، مستبدلاً المنطق المؤسساتي بمبدأ الولاء الحزبي، وكأن التصفيق الجماهيري يُعادل التعيين الملكي أو الاعتراف الدستوري. هذا الانزلاق ليس مجرد خطأ لغوي، بل كشف عن تصور مغلوط لطبيعة الدولة نفسها، وهو ما يضعنا أمام أزمة وعي سياسي حقيقي.
في هذا السياق، يمكننا الاستعانة بما كتبه الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل عن الديمقراطية والعلاقة بين المجتمع والسلطة، حين يقول: “الخطير ليس في السلطة نفسها، بل في إدراك الشعب والفاعلين السياسيين لما تمثله هذه السلطة، وهل يُنظر إليها كخدمة عامة أم كأداة نفوذ شخصي.”
هنا، الفكرة الجوهرية أن السلطة ليست مجرد أداة لإظهار القوة أو إثبات الهيمنة، بل أمانة اجتماعية ومؤسساتية، وأي تحوير لهذا المعنى يؤدي إلى تفكك التوازن بين الدولة والمجتمع. شوكي، بكلمته، لم يحرف السلطة فقط، بل حولها إلى امتداد لغوي وسياسي لشخصه، وكأن الحكومة ملكية خاصة للحزب أو للزعيم.
من منظور علم الاجتماع السياسي، كما يوضح ماكس فيبر في تحليله للسلطة والشرعية، “السلطة الرسمية تستمد شرعيتها من القانون والمؤسسات، وليست مشتقة من الولاء الفردي أو الإعجاب الشخصي بالقائد”.
تحوير هذا المبدأ في الواقع السياسي المغربي يؤدي إلى ضعف المؤسسات، وانحراف المسؤولية التنفيذية عن مهامها الوطنية، وتحويل الوزير من كونه موظفاً عاماً يخدم المصلحة العامة إلى تابع حزبي، يوقع القرارات وكأنها تصدر بتزكية الرئيس الشخصي.
هذا الانزلاق الرمزي يفسر ما سماه عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم بـ “الفجوة بين الحياة الرسمية والحياة الواقعية، حيث تُحوّل الرموز والاحتفالات إلى أدوات اجتماعية للتحكم في الوعي الجماعي”.
في الداخلة، التحية البسيطة “وزرائي” لم تكن مجرد كلمة، بل أداة رمزية تكشف عن تصور خاطئ للسلطة، وتفضح طريقة التعامل مع مؤسسات الدولة كما لو كانت ممتلكات لحزبية.
الأمر لا يقتصر على التحية. فقد رافق شوكي تصريحاته مديح مكثف للإصلاحات الحكومية، وإنجازات هيكلية تضخمت في المنصة وتقلصت خارجها أمام الواقع العملي، في مشهد يعكس أزمة في العلاقة بين الخطاب والممارسة، بين الزخم الإعلامي وسلطة الواقع. هذه الظاهرة تتماشى مع ما ذكره الفيلسوف والسياسي الأمريكي هانس مورغنثاو عن السياسة الواقعية، حين قال: “السياسة الحقيقية لا تتعلق بما يقال في المنصات، بل بما يُمارس على أرض الواقع، وما تفرضه قواعد القانون والدستور من حدود للسلوك السياسي.” هنا يظهر الفرق بين ما يُعرض في المنصة وبين ما يُفرض على المؤسسات، وهو فرق أساسي لتقييم مدى احترام قواعد الدولة.
الخطورة الحقيقية تكمن في تحويل الوزارة، وهي مؤسسة للدولة، إلى امتداد حزبي شخصي. هذا ما يسميه بعض علماء الاجتماع السياسي البريطانيون بـ “فخ الولاء الحزبي”، حيث يصبح الوزير تابعاً لشخص رئيس الحزب أكثر من كونه خادماً للمرفق العام، وتصبح السلطة مجرد أداة للسيطرة الرمزية، وليس خدمة الصالح العام. كما يحذر رالف دارتيغن: “عندما تختلط الهياكل الحزبية بالمؤسسات العامة، تختفي الحدود، ويصبح القرار العام أداة لتثبيت النفوذ الشخصي، بدلاً من خدمة الصالح العام”.
في المشهد المغربي، هذا الخلط يحمل تداعيات عميقة. فهو يكشف عن تصور مغلوط لمفهوم الدولة، حيث تُسقط مقاييس الولاء الفردي على مؤسسات يجب أن تعمل وفق القواعد الدستورية والسيادية، وليس وفق المزاج السياسي للحزب أو رهانات المنصة. الدولة ليست امتداداً حزبيّاً، والحكومة ليست مكتباً حزبياً موسعاً، والوزير ليس لقباً يمنحه رئيس تنظيم في لحظة نشوة خطابية. هذه الفجوة بين الدولة والحزب، بين الواقع والرمزية، تكشف عن وعي سياسي هش، وربما عن أزمة في فهم معنى السلطة والمساءلة.
الوزراء الذين تم تحيتهم في الداخلة لم يحصلوا أبداً على حق اعتبار أنفسهم حكومة شوكي أو العمل بتفويض حزبي. فهم وزراء دولة يخدمون المؤسسات، ويعملون باسم الدستور وسيادة الدولة، ومسؤولون أمام الشعب والمؤسسات عن كل قرار يُتخذ. أي محاولة لتحويلهم إلى “وزراء شخصيين” ليست مجرد خطأ لغوي، بل فضح لوعي سياسي مغلوط، يضع معنى الدولة ومرجعيات السلطة تحت مجهر النقد والتحليل.
هذا المشهد الرمزي يعيدنا إلى مفاهيم أساسية في الفكر السياسي والاجتماعي: الدولة مؤسسة، وليست ممتلكة لحزب أو قائد؛ الحكومة أمانة، وليست امتداداً شخصياً؛ المسؤولية الوطنية ثقيلة، ولا يمكن تخفيفها بالتصفيق أو الخطاب المبهر. هنا تظهر فداحة ما حدث في الداخلة، ليس لأنه مجرد خطاب حزبي، بل لأنه كشف عن تصور خاطئ للسلطة، وانزلاق نحو خلط الولاءات الحزبية بالواجب المؤسساتي، وطمس الحدود بين الدولة والتنظيم السياسي.
في هذه اللحظة، يظهر الفرق بين من يخدم الدولة ومن يحاول تحويل مؤسساتها إلى امتداد شخصي، بين الوزير الذي يعمل باسم الدستور والمؤسسات وبين من يوزع صفة الملكية السياسية على المنصات. وهو درس صارخ لكل فاعل سياسي: السلطة ليست غنيمة انتخابية، ولا لقباً يُمنح بالتصفيق، بل أمانة وطنية، ومسؤولية أمام القانون، والدستور، والمواطنين.
كل كلمة قالها شوكي في الداخل، كل تصفيق، وكل ابتسامة، تحمل تحذيراً: عندما تنهار المسافة بين الحزب والدولة، يتحول الخطاب إلى أداة رمزية، والسلطة إلى امتداد شخصي، والمؤسسات إلى ملكية لغوية. هذه هي الفخاخ التي حذر منها الفلاسفة وعلماء الاجتماع، بدءاً من توكفيل وبورديو ودوركايم وماكس فيبر، وحتى مورغنثاو ودارتيغن، وكلهم يؤكدون أن الشرعية الحقيقية تأتي من القانون والمؤسسات، لا من التصفيق أو الولاء الفردي.
في النهاية، اللحظة التي اختزل فيها شوكي الدولة في “وزرائي” ليست مجرد سهو أو لحظة خطابية، بل فضحت وعي سياسي مغلوط، ووضعت أمام الجميع صورة واضحة عن ما يحدث عندما يُعتقد أن الفوز الانتخابي يمنح حق امتلاك مؤسسات الدولة، بدلاً من إدارتها بروح المسؤولية والواجب الوطني. وهكذا، بين وزراء جلالة الملك ووزراء “شوكي”، يظهر خط أحمر لا ترسمه الجغرافيا، بل يحدده الدستور وسيادة الدولة، ويثبت أن السلطة الحقيقية لا تُقاس بالتصفيق، ولا تُختزل في المنصات الحزبية، بل بالمسؤولية، والالتزام، والوعي العميق بالدولة ومؤسساتها.
التعليقات مغلقة.