الانتفاضة // ضيف الله جالو
الصلاة مقام حضور بين يدي الله، وأصلها الخشوع والانقطاع عن الشواغل. لذلك قرر الفقهاء قاعدةً معروفة: كلما يُدخل التشويش في الصلاة فهو مكروه، وقد يبلغ التحريم إذا أفضى إلى مبطل أو محظورٍ شرعًا. ومن هنا كرهوا الصلاة مع مدافعة الأخبثين (الحاجة) أو بحضرة الطعام؛ لا لأن الفعل حرامٌ لذاته، بل لأن القلب يكون موزعًا، والصلاة لا تُؤخذ على وجهها الأكمل.
وهنا نطرح السؤال عن الإمساك بالهاتف أثناء الصلاة، فمن الملاحظ أن الإمساك بالهاتف في الصلاة تفتح أبواب الانشغال: نظرات وحركات وتوقعات وتنبيهات. لكن الحكم التفصيلي يتدرج بحسب الفعل والغاية:
– إن كان الإمساك مجرد حمل بلا حاجة أو لغير سبب معتبر ؛ فهذا داخل في الكراهة عند كثير من الفقهاء؛ لأنه يفتح باب العبث ويُضعف الخشوع، وقد يؤدي إلى كثرة الحركة.
– إن ترتب عليه حركة كثيرة أو تتابع عمل يشبه أفعال خارج الصلاة مثل فتح القفل، تقليب الصفحات بتمرير متكرر، الردّ على إشعار، التصوير المتعمد، ضبط الكاميرا ؛ فهنا قد يصل الأمر إلى إبطال الصلاة عند من يرى أن كثرة الحركة المنافية لهيئة الصلاة تبطلها، أو على الأقل تكون الصلاة على خطرٍ شديد، لأن جوهر الصلاة يتحول إلى أداء ظاهري مع انقطاع المعنى.
– إن كان الهاتف يُستعمل لقراءة القرآن بدل المصحف، هذه مسألة قريبة من حكم القراءة من المصحف في الفريضة والنافلة. جمهور معتبر جوّز القراءة من المصحف عند الحاجة خاصة في النوافل كقيام رمضان لمن لا يحفظ ، وبعضهم كره ذلك في الفريضة لما فيه من كثرة التقليب والحركة، ولأنه يُشغل عن هيئة الصلاة. والهاتف في هذا الباب أشد تشويشا من المصحف غالبًا: إشعارات، إضاءات ، اتصالات، واحتمال لمس متكرر. فإن دعت الحاجة في نافلة أو إمام لا يحفظ ما يقرأه، فالأقرب جعله استثناءً بقدر الحاجة مع إغلاق الشبكة والإشعارات، وإلا فالأولى تركه.
– إن كان لضرورة معتبرة مثل طبيب مناوب ينتظر نداء إنقاذ، أو خوف على طفلٍ أو مريض، أو قضية أمنية فالضرورات تُقدّر بقدرها: يجوز حمله على وضع صامت، ويُكتفى بأقل حركة ممكنة، لأن الشريعة لا تُكلّف بما فيه حرج شديد، لكن يبقى الأصل أن الصلاة لا تتحول إلى مساحة متابعة هاتف.
أما تصوير الصلاة والحج ونقلها مباشرة فليس نقاشه مجرد حركة الهاتف بل هو نقاش نية ومقصد: ما الذي يدفع المصلي أو الإمام أو الجماعة إلى التصوير؟ هنا تتداخل أحكام:
-الرياء: التصوير أثناء الصلاة قد يكون قريبًا جدًا من مظان الرياء، لأن العبادة تُعرض للناس عرضًا، ويُصنع لها مشهدا ، ويصبح همّ البعض: اللقطة، والتعليق، والانتشار… لا حضور القلب.
– إيذاء الخشوع العام: حتى لو قال المصوّر نيتي طيبة؛ فإن فتح هذا الباب يُربّي الناس على التعلق بالمشهد بدل المعنى، ويشوّش على المصلين، ويزيد الحركة والالتفات، ويحوّل المسجد إلى فضاء مراقبة.
– تعظيم الشعائر لا تعظيم الصور: مقصود الحج والصلاة أن يزداد الإيمان بالفعل نفسه، أما تحويل العبادة إلى محتوى يومي، فغالبًا يُضعف أثرها. العبادة بالذات لها حرمة وهيبة، ومن شأن التصوير داخلها أن ينقلها من مقام السر إلى مقام العرض.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يزيد تصوير العبادة الإيمان أم ينقصه؟
في كثير من الواقع المعاصر يغلب أنه ينقص؛ لأن الإيمان يُبنى على الصدق والمجاهدة، لا على الاستعراض..
وبناء على ما سبق، يمكن تلخيص الميزان الفقهي في نقاط:
– الأصل منع ما يُنافي الخشوع: لأن الخشوع مقصودٌ شرعيٌّ معتبر، وكل ما يغلب على الظن أنه يخرمه فهو مكروه أو محرم بحسب قدره.
– الوسائل لها أحكام المقاصد: تصوير العبادة وسيلة، فإن كان مقصدها رياء أو تشويشا أو انتهاكا لحرمة الصلاة؛ أخذت حكم التحريم. وإن كان مقصدًا معتبرًا مثل تعليم من جهة مختصة، بلا تشويش ولا إظهار أشخاص، وبضوابط واضحة فقد يُرخص بقدر الحاجة.
– سد الذرائع: لأن الباب إذا فُتح بلا ضابط انتقل الناس بسرعة من توثيق إلى استعراض كما هو الحال في أيامنا هذه .وسد الذريعة هنا قوي لأن المفسدة غالبة الوقوع.
ما أدعو إليه باختصار
– منع التصوير داخل المسجد أثناء الصلاة منعًا باتًا للأفراد، خاصة تصوير النفس (السلفي) والبث المباشر.
– السماح بالتوثيق المؤسسي فقط عند الحاجة، عبر جهة المسجد/إدارة رسمية مثل كاميرا ثابتة بلا حركة لا تُظهر وجوه المصلين، لا تُشغل الإمام ولا تُحدث ضجيجًا ولا إضاءة،
– إلزام وضع الهاتف على الصامت قبل الصلاة، والتنبيه على هذا في الإقامة.
– توعية فقهية مختصرة: “خشوعك عبادة، وتوثيقك ليس عبادة”، مع بيان خطر الرياء بلطف وحكمة.
– تدرج في الإنكار: تنبيه ثم منع ثم إخراج من يصرّ على التشويش حفاظًا على حرمة الصلاة وحقوق المصلين.
بهذا يبقى المعنى محفوظا، الصلاة عبادة حضور لا عبادة عرض، ومقامها يطلب من المسلم أن يخلع شواغله ولو دقائق.
إن الله لا ينظر إلى اللقطة، بل إلى القلب. وإذا كان لابد من نقلٍ أو تصوير لغاية معتبرة، فليكن بأدوات ذكية ثابتة لا تتسلط على الإمام ولا تجرّ المصلين إلى الالتفات.
ويبقى الأصل: أغلق هاتفك… وافتح قلبك…
التعليقات مغلقة.