الانتفاضة &&& ميمونة الحاج داهي
أنا جدار الحجر و الطين القائم في خلفية السوق، حيث تنتهي الرغبات التي لم تجد من يشتريها، وحيث يجلس الذين خسروا شيئا لا يعرفون كيف يسمونه.
أعرف مي فاطنة منذ كانت فاطنة فقط.
كانت تأتي إلي في زمن بعيد، حينها كان جسدها يعرف يقينه، و كانت تمشي كما تمشي الأشياء التي لا تخاف الزوال.. تتكىء علي بكتفها، فأشعر بدفء الحياة فيها. لم تكن تتكىء طلبا للراحة، بل كأنها تمنحني شرف مشاركتها وقفتها.. وشم أزرق يستقر على معصمها، كأنه بتلات صغيرة عشقت الفوضى و استقرت هناك بإحكام، مثل أحد أراد أن يحفظ فيها شيئا لا يجوز أن يضيع. وعلى ذقنها نقطة أخرى، تزيد وجهها جرأة، وتزيد الذين ينظرون إليها ارتباكا.
في أحد الأيام، جاء معها الحاج العربي.
وقف قريبا. كان رجلا له ظل ثقيل، لكن ظله يومها بدا خفيفا، ظل من يطلب ولا يأمر.
قال لها بصوت خفيض:
— أجعلك في دار… وتكونين في ستر.
ثم أضاف، بعد صمت قصير:
… لكن مصونة، سكتت فاطنة،لم تتحرك.
شعرتُ بثقلها فوقي يزداد، كأن الكلمات وضعت في قلبها حجرا.
مرت لحظة طويلة.
ثم ضحكت.
ضحكة قصيرة.
لكنني شعرت، لأول مرة، أن الضحك يمكن أن يكون حزينا..بعد ذلك، غابت.
مر زمن طويل، تعلمت فيه أن الغياب ليس أن يرحل الجسد فقط… بل أن يرحل المصير الذي كان ممكنا.
ثم عادت..كانت ما تزال فاطنة…لكنها كانت أيضا امرأة أخرى.
سمعت أنها صارت ترقص في الأعراس.
كنت أراها أحيانا في الصباح، بعد أن ينتهي الليل من استهلاكها.. تمشي ببطء، كأن التعب صار جزءا من عظامها.. تضحك، نعم، لكن ضحكتها لم تعد تسكنها… تمر بها فقط.
الرجال الذين كانوا يقفون لها طويلا، صاروا يمرون أسرع.
والمرآة التي كانت صديقتها، صارت تحتاج إلى شجاعة.
ثم… بدأت تختفي مرة أخرى.
لكنها هذه المرة لم تختف من السوق.
اختفت من نفسها..
وفي صباح بارد، جاءت تحمل كيسا.
جلست في ظلي.
احتجت وقتا لأعرفها.
كانت “مي فاطنة”.
أخرجت من كيسها مناديل للرأس، مناديل لصينية الشاي، جوارب، وشبك حمام.
رتبتها بعناية، كأنها ترتب ما تبقى منها.
صارت تنادي المارة بصوت خفيض:
“مناديل..”صوتها يشبه صوت شخص يعتذر عن وجوده، حين خف السوق، أخرجت منديلا صغيرا.
فتحته ببطء.
أخرجت نقودا قليلة.
بدأت تعدها..شفتاها ترتجفان.
توقفت..أعادت العد..ثم توقفت..رفعت رأسها.
نظرت إلى الفراغ.
لكنني عرفت أنها لم تكن ترى الفراغ.
كانت ترى نفسها…
حين كانت فاطنة.
حين كان أحدهم مستعدا أن يبني لها بيتا.
حين كان جسدها وعدا.
وحين كان المستقبل… شيئا ينتظرها، لا شيئا تنتظره..أعادت النقود إلى المنديل.
ربطته.
ثم أسندت ظهرها إليّ.
كانت خفيفة.
خفيفة إلى حد أنني خفت أن تكون الحياة…
قد انتهت منها قبل أن تنتهي هي منها.
وبقيت صامتة..وأنا بقيت صامتا..لكنني فهمت يومها، أن أقسى ما يفعله الزمن بالإنسان، ليس أن يأخذ منه شبابه…
بل أن يتركه حيا، ليشهد بنفسه، كيف يغادره..
التعليقات مغلقة.