الانتفاضة %%% ميمونة الحاج داهي
بعد صلاة الفجر بقليل، شق سكون صباح الأحد صراخ مدوٍ، كسهم يخترق الصمت ويستقر في الصدر قبل أن يصل إلى الأذن. كنتُ مستلقية في سريري، وابني الصغير يغطّ في نومه، حين ارتجف فجأة وأمسك بذراعي. شعرت بهزة تمرّ بي، فزعي كان أعمق من خوفه، أشد من أي شعور قبل، كأن النفس كلها تشهد على واقع أكبر من حجمها.
الصراخ لم يتوقف، تحوّل تدريجيا إلى بكاءٍ متقطع، يتردد في سلالم البناية، ينساب في الدرج صعودا ونزولا، الحزن نفسه بدأ يسبح في الفراغ. ارتديت “ملحفتي” على عجل، و أمرت إبني أن يبقى في السرير، وكأن البقاء ساكنا قد يحميه من هذا العالم الذي بدأ يضيق عن طاقته.
خرجت من الغرفة، فوجدت ابني الأكبر واقفا في البهو ، حافي القدمين، عينيه نصف مغمضتين، ووجهه يطرح سؤالًا بلا كلمات. أمرته بالعودة إلى غرفته، فالهواء بارد، والبيت واسع، وسكانه قلّة، فتضاعفت برودته على صمت الصباح.
فتحت باب الشقة، فكان الصراخ قد خفّ وتحول إلى نحيبٍ ثقيل، يتردد صداه في السلالم، ويكشف عن واقع لا يطاق. الصوت قادم من الطابق السفلي. لم أنتظر المصعد، نزلت الدرج طابقا بعد طابق، وكل خطوة كانت تضيف ثقلا إلى قلبي، ثلاثة طوابق فقط تفصلني عن المصدر، ومع ذلك كان الألم أكبر من المسافة.
اقتربت أكثر، واشتدت الأصوات، وظهرت وجوه الناس عند أبوابهم، بعضهم واقف، بعضهم يلتفت، والأصوات تتردد: «لا إله إلا الله… إنا لله وإنا إليه راجعون». عند حافة الدرج، وقف رجل خمسيني يرتدي جلباب من صوف و قبعة كتفاه مشدودان كأنهما يحملان ثقل العالم، يضم ذراعيه على صدره ووجهه محطم من صدمة الفقد.
سألته بصوت منخفض:
— السلام عليكم ياك لاباس ألحاج؟
أجاب كأنه ينفث روحه:
— والدتي في ذمة الله.
قلت له، وأنا أحاول ترتيب كلماتي:
— لا إله إلا الله… الله يجعل مثواها الجنة، ويرزقكم الصبر، والبركة فراسكم.
أمَّن على الدعاء، وقال:
— ما مشى معاك باس، ألالة.
أخبرته برقم شقتي والطابق، وقلت إن بيتي مفتوح لأي احتياج، أغطية أو أواني أو مبيت للنساء. شكرني، وعدت أدراجي. استقلت المصعد هذه المرة، كأن الدرج لم يعد يحتمل ثقل ما رأيت وما شعرت.
وجدت باب شقتي مواربا، والأطفال عادوا إلى النوم، كأن شيئا لم يحدث. أغلقت الباب، عدت إلى غرفتي، نزعت الملحفة، طويتها بعناية، وأعدتها إلى الدولاب، أملا أن يُعيد ترتيب القماش ترتيب داخلي المشوش.
اتجهت إلى المطبخ، أعددت الشاي، وحضّرت وجبة الإفطار، الأولاد هذه الأيام لا يستيقظون مبكرا، عطلة فرضتها الأمطار والفيضانات في الغرب. جلست إلى الطاولة، أشرب الشاي، والبرد يطرق الزجاج، والمطر يتساقط خارج شرفة المطبخ و الجريدة أمامي يبدو أنها قضت ليلها على الطاولة، داخلي يعتصره برد أعمق من حرارة الجو:
يا الله… كيف حكمنا نحن البشر على أنفسنا بالسكن في هذه القوالب الإسمنتية، هذه الأبنية العمودية الميتة، حيث لا فرح مشترك، ولا حزن مشترك، ولا تواصل حقيقي بين البشر؟
أسكن بناية تتجاوز ثمانية طوابق، شقتان في كل طابق. لا أعرف السكان، لا أسماءهم، ولا كم يمكثون. أعرف وجوههم العابرة عند البواب أو في المرآب، وحديثنا يقتصر على الضرورة. لا سلام حقيقي، ولا فرح جماعي، ولا حزن جماعي… إلا حين يفرضه الموت.
خجلت من نفسي، وحزنت عليها. أنا ابنة الدار الكبيرة. بيت والدتي كان بابه يُفتح مع الصباح، ولا يُغلق إلا عند النوم. الجيران يدخلون ويخرجون كأنهم من أهل البيت، ونحن نفعل الأمر نفسه ببيوتهم. الفرح جماعي، والحزن جماعي، والموت… لا يفاجئ أحدا وحده.
صراخ جديد أيقظني من شرودي، أشد وقعا هذه المرة. أفراد آخرون من العائلة وصلوا. ارتفع النحيب مرة أخرى، وارتجّت البناية، تلك الكتلة الصامتة من الحجر، كأنها تذكرت فجأة أنها تسكنها قلوبٌ حية، لا شقق من إسمنت.
ثم اتجهت إلى غرفة ابنتي التي غادرتني منذ مدة وحولت مكانها الخاص إلى غرفة جلوس: ثلاثة أرائك، وشرفة كبيرة مزينة بأرضية خضراء، والنباتات الاصطناعية تحجب الاطلالة عن أعين الفضوليين. الغرفة صامتة، باردة، بلا لوحات ولا صور ولا حتى تلفاز صغير وكأن الحزن نفسه استقر في زواياها.
لكن البكاء، ذاك النحيب العالق في أذني منذ الصباح، بدأ يزحف داخلي، يدفنني تحت ثقله. عيوني ادمعت ، واختنقت حنجرتي. استسلمت له، وتركت نفسي أسترسل في موجة الحزن، دون مقاومة. جلست على كرسي بالشرفة، والمطر ينهمر و رذاذه يلامس وجهي، يختلط بدموعي، ربما السماء تشاركني وجعي.
هكذا هو حالي دائما تبكيني الجنائز، وكأنها العذر الذي يبرر دموعا مكبوتة، دموع تنتظر مناسبة لتخرج، وتنساب بحرية، تحمل معها كل الصمت والموت والوحدة التي تراكمت في النفس. بقيت جالسة طويلا أستمع إلى المطر، إلى صدى البكاء في السلالم، إلى الصمت الذي يحيط بالمدينة العمودية، وأدرك أن الحزن أعمق من أي جدران أو طوابق، وأن الإنسان لا يزهر إلا عندما يبلله دمعه، مهما حاول أن يخفيه في الداخل..
التعليقات مغلقة.