حين تتحول النعمة إلى نقمة: الأمطار واختلال التدبير السياسي

الانتفاضة  $$$ عبد المجيد العزيزي 

تُعدّ الأمطار في الوعي الجماعي نعمة ربانية تحمل معها الأمل في موسم فلاحي واعد وانتعاش للفرشات المائية، غير أن هذه النعمة سرعان ما تنقلب، في عدد من المناطق، إلى نقمة ثقيلة الكلفة، كلما كشفت التساقطات عن هشاشة البنيات التحتية وضعف منسوب الاستعداد والتخطيط الاستباقي.

فمع كل موجة مطرية، تتكرر المشاهد نفسها: طرق مقطوعة، أحياء غارقة، منازل مهددة، ومواطنون يواجهون الخطر بأدوات بسيطة، في وقت كان يفترض فيه أن تكون هذه السيناريوهات جزءًا من الذاكرة لا من الواقع المتجدد. وهو ما يطرح أسئلة جوهرية حول نجاعة السياسات العمومية ومدى التزام الفاعل السياسي بواجباته قبل وقوع الكوارث لا بعدها.

وفي خضم هذه الأزمات، يطفو إلى السطح نمط سياسي مألوف، حيث لا يظهر بعض المسؤولين إلا عند اشتداد الأزمة، في زيارات خاطفة أقرب إلى “التسلّل” منها إلى تحمل المسؤولية الفعلية. حضور مناسباتي، صور أمام الكاميرات، تصريحات عامة عن “تتبع الوضع”، ثم انسحاب صامت دون مساءلة أو التزام زمني بمعالجة الأعطاب البنيوية.

المقلق في هذا السلوك ليس رمزيته السلبية فقط، بل ما يعكسه من اختزال للمسؤولية السياسية في لحظة تواصلية عابرة، بدل اعتبارها مسارًا مستمرًا من التخطيط والوقاية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالكوارث الطبيعية لا تتحول إلى مآسٍ إنسانية إلا حين تتقاطع مع الإهمال وسوء التدبير.

قبل الحديث عن الجودة والمصداقية، يفرض واقع آخر نفسه، يتمثل في اعتماد بعض المنصات على مراسلين يزاولون العمل الصحفي إلى جانب اشتغالهم في قطاعات مهنية بعيدة، كالألمنيوم أو النجارة وغيرها من الحرف. وهو واقع يطرح تساؤلات مشروعة حول شروط التفرغ والتكوين والقدرة على مواكبة القضايا العامة بالعمق والدقة المطلوبين.

فالعمل الصحفي ليس نشاطًا عرضيًا ولا ممارسة ثانوية، بل مهنة قائمة بذاتها، تتطلب تكوينًا مستمرًا، وحضورًا ميدانيًا دائمًا، والتزامًا بقواعد التحقق والتوازن. وعندما يُمارَس الإعلام على هامش انشغالات مهنية أخرى، يصبح من حق القارئ التساؤل: هل يمكن في ظل هذه الشروط إنتاج مادة إعلامية رصينة قادرة على الإقناع والتأثير؟

ولا يتعلق هذا الطرح بالأشخاص أو بالمهن التي يزاولونها، فجميع المهن محلز احترام، بقدر ما يرتبط بمنطق تدبير بعض المقاولات الإعلامية التي تفضّل الحلول السهلة والكلفة المنخفضة بدل الاستثمار في الصحفي المؤهَّل والمتفرغ، وهو ما ينعكس سلبًا على المنتوج الإعلامي وعلى صورة المهنة ككل.

ولا يقف الاستنزاف عند حدوده المادية فقط، بل يمتد إلى إنهاك نفسي ومعنوي للكفاءات، يُطلب فيها من الصحفي أن يقدم أقصى ما لديه دون اعتراف أو تحفيز، بينما تُرفع شعارات الجودة والاستقلالية كواجهة تسويقية لا تعكس حقيقة ما يجري داخل بعض غرف التحرير.

إن أخطر نتائج هذا الواقع لا تنعكس فقط على العاملين في القطاع، بل تطال جودة الإعلام ودوره في التأطير والمساءلة وتنوير الرأي العام. فالإعلام القوي لا يُبنى على الهشاشة ولا على الاستسهال، بل على احترام الكفاءات وضمان شروط عمل لائقة ومحفزة.

وأمام هذه الاختلالات، يظل الرهان الحقيقي معلقًا على إعادة الاعتبار للصحافة كرسالة ومسؤولية قبل أن تكون تجارة، وعلى ترسيخ أخلاقيات المهنة، وربط استمرارية المقاولات الإعلامية بالاستثمار في الكفاءات لا باستنزافها، حمايةً لمصداقية الإعلام وثقة المجتمع.

التعليقات مغلقة.