احتجاجات واسعة للمحامين دفاعا عن استقلالية المهنة وضمانات الدفاع

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

شهدت الساحة المقابلة لمبنى البرلمان بشارع محمد الخامس وسط العاصمة الرباط، صباح اليوم الجمعة، وقفة وطنية حاشدة دعت إليها جمعية هيئات المحامين بالمغرب، عرفت مشاركة واسعة للمحاميات والمحامين القادمين من مختلف جهات المملكة، في مشهد مهني لافت عكس حجم القلق والغضب الذي يسود الجسم المهني إزاء مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة.

الوقفة الاحتجاجية، التي حملت اسم “وقفة الصمود”، جاءت رفضا لما اعتبره المحتجون مساسا خطيرا باستقلالية المهنة وضربا لمكانتها الدستورية ولدورها المحوري داخل منظومة العدالة، وذلك بعد إحالة المشروع على المجلس الحكومي والمصادقة عليه بتحفظات، دون إشراك فعلي للهيئات المهنية وفق مقاربة تشاركية حقيقية.

ورفع المشاركون شعارات قوية تندّد بما وصفوه بـ”التراجع عن مكتسبات تاريخية راكمتها المهنة لعقود”، مؤكدين أن المحاماة ليست مجرد نشاط مهني، بل ركيزة أساسية من ركائز دولة القانون والمؤسسات، وشريك دستوري في تحقيق العدالة وضمان حقوق الدفاع.

وفي تصريح بالمناسبة، أكد النقيب الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، أن قرار خوض هذه الخطوة الاحتجاجية جاء كرد فعل مباشر على تمرير مشروع قانون “يمس جوهر المهنة ويقوض استقلالها”. وشدد على أن المحامين “لا يمكنهم القبول بأي نص تشريعي يجعل المحاماة خاضعة للوصاية الحكومية أو لتأثير النيابة العامة”، معتبرا أن ذلك يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة.

وأضاف الزياني أن الدفاع عن استقلالية المهنة هو “واجب أخلاقي وتاريخي ومهني”، مشيرا إلى أن الهيئات المهنية منفتحة على أي حوار جاد ومسؤول، شرط توفر ضمانات حقيقية وإشراك فعلي للمحاميات والمحامين في صياغة أي نص قانوني يهم مستقبل مهنتهم.

من جهته، اعتبر المحامي عبد الحق بنقادي أن الوقفة الاحتجاجية تتجاوز المطالب الفئوية الضيقة، مؤكدا أنها تمثل “دفاعا عن حق المواطن قبل أي شيء آخر”. وأوضح أن استقلال المحامي يشكل ضمانة أساسية للمتقاضي، لأن أي مساس بحرية الدفاع ينعكس مباشرة على مبدأ تكافؤ الأطراف داخل المحكمة.

وأضاف أن مشروع القانون بصيغته الحالية “يضعف موقع الدفاع داخل منظومة العدالة ويجعل المحامي في وضعية تبعية”، الأمر الذي قد يقوض الثقة في العدالة ويهدد شروط المحاكمة العادلة، معتبرا أن قوة المحاماة من قوة دولة الحق والقانون.

وخلال كلماتهم، شدد عدد من المتدخلين على أن تاريخ المحاماة في المغرب ارتبط دائما بالدفاع عن الحقوق والحريات، سواء في القضايا الفردية أو في المحطات الوطنية الكبرى، مؤكدين أن إضعاف المهنة لن يضر بالمحامين وحدهم، بل سيؤثر سلبا على المجتمع ككل، وعلى ثقة المواطنين في مؤسسات العدالة.

كما انتقد المحتجون المسار الذي تم من خلاله إعداد المشروع، معتبرين أنه لم يحترم مبدأ التوافق ولا روح المقاربة التشاركية التي يقرها الدستور في صياغة القوانين المرتبطة بالحقوق والحريات. وأكدوا أن أي إصلاح لمنظومة العدالة ينبغي أن ينبني على الحوار والتشاور مع الشركاء المهنيين، بدل فرض نصوص تشريعية بشكل أحادي.

وفي سياق متصل، حرص المشاركون على التعبير عن تضامنهم الإنساني مع ضحايا الفيضانات التي شهدتها مدن القصر الكبير وسيدي قاسم ومناطق أخرى، مؤكدين أن المحامين سيظلون دائمًا في صف المجتمع في أوقات الأزمات، وأن القيم الإنسانية والوطنية تظل فوق كل اعتبار.

وعقب الوقفة، أصدر مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب بلاغا أكد فيه أن تنظيم “وقفة الصمود” يعكس القلق العميق الذي يساور الجسم المهني من المسار الذي سلكه مشروع القانون، والذي تم اعتماده داخل المجلس الحكومي دون استحضار فعلي لمبدأ التوافق، ودون احترام حقيقي لطبيعة الموضوع وحساسيته، باعتباره مرتبطا بشكل مباشر باستقلال الدفاع والضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.

وشدد البلاغ على أن رفض المشروع لا ينطلق من منطق الدفاع عن امتيازات مهنية، بل من موقع المحاماة كشريك دستوري في تحقيق العدالة وصون حقوق المتقاضين. كما حذر من أن أي إصلاح يتم خارج منطق التشارك واحترام استقلالية المهنة قد يقوض الثقة في مسار إصلاح العدالة برمته.

وفي الوقت الذي عبرت فيه الجمعية عن استعدادها الدائم للانخراط في حوار جاد ومسؤول بضمانات واضحة، جددت رفضها القاطع لأي نهج تشريعي أحادي يمس جوهر مهنة المحاماة وهويتها الحرة والمستقلة.

وبين تصاعد الاحتقان داخل الجسم المهني وتمسك الحكومة بمسارها التشريعي، يبدو أن ملف قانون مهنة المحاماة مرشح لمزيد من النقاش والتجاذب خلال المرحلة المقبلة، في انتظار فتح قنوات حوار تفضي إلى صيغة توافقية تحافظ على استقلال الدفاع وتعزز في الآن نفسه فعالية منظومة العدالة.

التعليقات مغلقة.