البام… وعودة أصحاب الشكارة

الانتفاضة @@@ لطفي كيناني

يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة حسم أمره مبكراً، وشرع في هندسة الخريطة الانتخابية المقبلة بعيداً عن منطق التنافس الديمقراطي، واضعاً نصب عينيه منطق الاستقطاب، واستمالة أصحاب النفوذ والمال والرمزية، في ممارسة لا تخطئها العين، وتضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، وتُفرغ العملية الانتخابية من معناها السياسي والأخلاقي.

فحسب معطيات متداولة من داخل الحزب، يكون “البام” قد حسم في أسماء مرشحيه للانتخابات التشريعية المقبلة، في وقت لا تزال فيه البلاد نظرياً خارج الأجواء الانتخابية، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول سرعة الحسم، ومعاييره، وحدود التنافس الداخلي الحقيقي.

ولهذا الغرض، شكّل الأصالة والمعاصرة لجنة وطنية للانتخابات تترأسها فاطمة الزهراء المنصوري، وتضم أسماء وازنة داخل التنظيم، من بينها سمير كودار، أحمد التويزي، محمد الحموتي، العربي المحرشي، هشام الصابري، وأحمد أخشيشن. اسم هذا الأخير عاد بقوة إلى التداول، رغم ما يلاحقه من إرث ثقيل مرتبط بملف البرنامج الاستعجالي وما ترتب عنه من فضائح ومحاكمات، في مشهد يعكس منطق “العودة من النافذة” بدل المحاسبة السياسية والأخلاقية.

عدد من المراقبين يرون أن المؤشرات الحالية في المشهد السياسي توحي بسعي حزب الأصالة والمعاصرة إلى الصدارة الانتخابية بأي ثمن، مستفيداً من الفراغ الذي خلّفه الخروج المذل لرئيس الحكومة عزيز أخنوش من المشهد السياسي، وترك حزب بحجم التجمع الوطني للأحرار أمام مستقبل غامض. وهي وضعية يعيد فيها التاريخ نفسه، بأيدٍ خفية شبيهة بتلك التي أوصلت “الأحرار” إلى الصدارة في ظروف ما زالت تثير الكثير من التساؤلات.

في هذا السياق، لا يُخفي حزب الأصالة والمعاصرة طموحه في تصدر النتائج، وفتح الطريق أمام فاطمة الزهراء المنصوري للوصول إلى رئاسة الحكومة، في سيناريو يُقدَّم كـ”سابقة تاريخية”، رغم أن المنصوري نفسها لم تنجح انتخابياً في دائرتها، ما يطرح سؤال الشرعية الشعبية في مقابل شرعية الترتيبات الحزبية.

الأخطر في هذا المسار، هو نهج الاستقطاب الممنهج، حيث يعتزم الحزب تعزيز صفوفه بأسماء وازنة اجتماعياً واقتصادياً، بحثاً عن المقاعد لا عن البرامج. ففي جهة الشرق، تروج معطيات عن نية الحزب ترشيح هدى المغاري، زوجة فوزي لقجع، لرئاسة مجلس الجهة، لتعويض عبد النبي البعيوي المعتقل على خلفية قضية “إسكوبار الصحراء”.

وفي السياق نفسه، راج اسم مريم بنصالح شقرون، الرئيسة السابقة للاتحاد العام لمقاولات المغرب، كمرشحة محتملة باسم “البام” في الانتخابات التشريعية ببركان. اسم يحظى باهتمام كبير داخل المكتب السياسي، ليس فقط كمرشحة برلمانية، بل كورقة سياسية ثقيلة قد تُستعمل في تشكيل ما يُسوّق له بـ”حكومة المونديال”، أو حتى كخيار احتياطي لرئاسة الحكومة.

تداول هذه الأسماء يكشف توجهاً واضحاً داخل الحزب يروم تلميع الصورة عبر بروفيلات لامعة، في محاولة لاستقطاب الشباب والرأي العام، بدل معالجة الصورة النمطية التي التصقت بـ”البام” كحزب أعيان ونفوذ ومال انتخابي.

غير أن هذه الاستراتيجية، في نظر شريحة واسعة من المغاربة، لا تزيد إلا في تعميق النفور. فبين الاستقطابات المحمومة، واستعمال الصفقات العمومية كأدوات استمالة، وارتباط الحزب بأسماء تلاحقها شبهات أو ملفات قضائية، بعضها يقبع في السجون بسبب قضايا فساد أو تبديد المال العام أو الاتجار في المخدرات، تتكرس صورة حزب يراكم السلطة لا الثقة.

المفارقة أن حزب الأصالة والمعاصرة، وهو أحد أعمدة التحالف الحكومي الحالي، يتحمل جزءاً أساسياً من المسؤولية السياسية عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتأزم، ومع ذلك يتهيأ للعودة بوجوه جديدة وقديمة، وكأن شيئاً لم يكن.

فهل سيضع المغاربة حداً لهذا المنطق القائم على التحكم في الاختيارات بدل الاحتكام إلى الإرادة الشعبية؟

وهل ستُترك صناديق الاقتراع لتقول كلمتها فعلاً، أم أن ماكينة الانتخابات ستشتغل مرة أخرى فوق إرادة الناخبين، لصالح أسماء جرى إعدادها سلفاً؟

أسئلة مشروعة، في زمن أصبحت فيه الديمقراطية تُختزل في تقنيات الاستقطاب، لا في التنافس حول البرامج، وأصبح فيه المواطن، خاصة الناخب المقهور والمغلوب على أمره، مجرد رقم في معادلة تُرسم خارج إرادته.

التعليقات مغلقة.